تمدد بلا سقف بعد الزارعة والبحيرات.. 40 ألف منفذ تمويني بقبضة جهاز القوات الجوية

- ‎فيتقارير

يشهد الاقتصاد المصري مرحلة إعادة تشكيل واسعة، تتزامن مع ضغوط مالية غير مسبوقة، وتراجع في قدرة الدولة على تمويل الدعم والخدمات. وفي هذا السياق، يبرز جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة” كأحد أكثر الكيانات توسعًا ونفوذًا، بعد أن انتقل من مشروع زراعي محدود إلى منظومة اقتصادية ضخمة تمتد من استصلاح الأراضي إلى الاستيراد والتوزيع الغذائي، وصولًا إلى السيطرة على 40 ألف منفذ تمويني يستفيد منها 60.8 مليون مواطن، وفق ما ورد في تقرير زاوية ثالثة. 

وهذا التمدد السريع خلق حالة من القلق بين التجار والمستهلكين، خاصة مع غياب الشفافية حول موارد الجهاز ومصروفاته، وغياب الرقابة البرلمانية على أنشطته.

 

40 ألف منفذ تمويني احتكار التوزيع

يكشف التقرير أن الحكومة وقّعت مذكرة تفاهم لتحويل المنافذ التموينية ومشروع “جمعيتي” إلى علامة موحدة تحت إدارة “كاري أون”، رغم أن أصحاب المنافذ لم يتلقوا أي إخطار رسمي بآليات التحول أو مصادر التمويل، بينما لا تتجاوز هوامش أرباحهم 25 قرشًا للعبوة الواحدة .

ويشير نقيب بقالي التموين إلى أن التجار لا يعرفون ما إذا كان الانضمام إلزاميًا أم اختياريًا، ولا يعرفون من سيتحمل تكاليف التطوير، ولا حتى شروط المساحات المطلوبة، التي قد تجبر كثيرين على استئجار محال جديدة أو تحمل تكاليف توسعات باهظة.

هذا الوضع يضع الجهاز في موقع يسمح له بالتحكم في واحدة من أكبر شبكات توزيع السلع في مصر، وهو ما يمنحه نفوذًا اقتصاديًا غير مسبوق.

 

أعباء مالية خانقة

يوضح التقرير أن أصحاب المنافذ التموينية يتحملون كامل الأعباء التشغيلية، من نقل السلع إلى الإيجارات وفواتير الكهرباء والمياه، بينما يعملون لساعات طويلة دون تأمينات أو مزايا وظيفية. ويقول أحد البدالين إن تكلفة نقل البضائع ارتفعت إلى ما بين 600 و700 جنيه للنقلة الواحدة، في وقت يعاني فيه كثيرون من نقص السيولة وعدم القدرة على تغطية مصروفات التشغيل الأساسية .

وتشير “منى”، صاحبة أحد فروع “جمعيتي”، إلى أن المشروع بالكاد يغطي تكاليفه، وأن هامش الربح محدود للغاية، بينما يضطر زوجها للعمل في وظيفة إضافية لتغطية احتياجات الأسرة. وتضيف أن اشتراطات المساحة الجديدة التي لا تقل عن 30 مترًا قد تدفع كثيرين للخروج من المنظومة.

إتاوات على الصيادين

لا يقتصر تمدد الجهاز على التموين، بل يمتد إلى الثروة السمكية، حيث فرض الجهاز على صيادي بحيرة ناصر نسبة 40% من الإنتاج السمكي مقابل تجديد التراخيص، رغم أنه لا يتحمل أي تكاليف تشغيلية، سواء الوقود أو صيانة المراكب أو الشباك أو أجور العمالة .

ويعتبر الصيادون هذه النسبة “إتاوة”، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الإنتاج، بينما لم تنفذ وعود الجهاز بتطوير البحيرة أو إنشاء مصانع أو مفرخات أو بنية تحتية حقيقية.

وتصاعدات أزمة جديدة في بحيرة ناصر بعد وقف تجديد نحو 2800 رخصة صيد يستفيد منها آلاف الصيادين وأسرهم، بعد رفض 234 صيادا التوقيع على بروتوكول إتاوة جديدة عليهم.

وبحسب شهادات عدد من الصيادين أكدوا أن مهنة الصيد في البحيرة متوارثة قانوناً من عقود، وأن تراخيص الصيد تخضع لقوانين التعاونيات المنظمة للمهنة من الستينيات.

الصيادون أكدوا أن وعود "مستقبل مصر" بتطوير البحيرة لم تنعكس فعلياً على حياتهم، وحتى الآن لم يتم إنشاء مصانع أو مفرخات سمكية أو خدمات بنية تحتية حقيقية تدعم القطاع، مقابل النسبة الكبيرة التي يطلب الجهاز من إنتاج الصيادين.

 

كاري أون: إعادة سيطرة

يقدم المشروع نفسه باعتباره تحديثًا لمنظومة التموين، لكنه في الواقع يعيد تشكيل السوق عبر توحيد العلامة التجارية، وتوحيد التسعير، وتوحيد آليات الشراء، وتوسيع دور الجهاز في التوزيع الغذائي.

ويشير التقرير إلى أن الجهاز سيستفيد من الانتشار الجغرافي الواسع للمنافذ التموينية، ما يمنحه قدرة على منافسة السلاسل التجارية الكبرى، مع أفضلية سعرية بحكم دوره في الاستيراد والإنتاج والتوزيع في آن واحد .

لكن هذا التوسع يثير مخاوف من الإخلال بالتنافسية، إذ قد يجد تجار التجزئة خارج المنظومة أنفسهم عاجزين عن منافسة كيان يمتلك مزايا لا تتوافر للقطاع الخاص.

 

وقوع آلاف التجار من السوق

يحذر خبراء من أن اشتراطات التطوير قد تدفع آلاف التجار إلى الخروج من السوق، خاصة مع ضعف العائد الحالي. ويشير الباحث مؤمن أشرف إلى أن تحديث الواجهات وتركيب الأنظمة الإلكترونية قد يجبر التجار على الاقتراض، رغم أنهم ما زالوا يسددون قروض “جمعيتي” القديمة. ويؤكد أن تطبيق المنظومة الجديدة بصورة إلزامية قد يؤدي إلى انهيار شريحة واسعة من التجار الصغار إذا لم تتوافر آليات دعم واضحة .

ويوضح أن الجهاز أصبح “منظومة موازية” تعمل خارج قواعد الدولة التقليدية، وتملك صلاحيات تتجاوز وزارات الزراعة والري والتموين، في ظل غياب واضح للشفافية حول موارده ومصروفاته. ومع دخوله في التموين، يصبح الجهاز لاعبًا مركزيًا في سلاسل الإمداد من المزرعة إلى المستهلك، ما يمنحه قدرة على التحكم في الأسعار، والسلع، والتوزيع، والموارد.

وأنشئ الجهاز بقرار رئاسي عام 2022، ويرأسه العقيد طيار بهاء الغنام، ويتولى إدارة مشروعات كبرى تشمل استصلاح الأراضي، واستيراد السلع الاستراتيجية، والإنتاج الغذائي، إضافة إلى مشروعات صناعية وخدمية متنوعة .

ومع مرور الوقت، توسع الجهاز ليصبح لاعبًا رئيسيًا في سلاسل الإمداد الغذائي، عبر إطلاق سلاسل “سوبر توفير” التي تضم 1427 منفذًا، وتستهدف الوصول إلى 2000 منفذ بحلول 2027، ثم عبر إطلاق العلامة التجارية “كاري أون” التي ستضم المنافذ التموينية كلها.