إعادة مزاعم الأخونة .. لماذا تُعيد الأقلام المنحازة سرديات الأجهزة والدولة العميقة؟

- ‎فيتقارير

في ظل اتساع دائرة التضييق على الصحافة والكتّاب الذين يصفون أنفسهم بالمستقلين، (باستدعائهم تارة وبتحميل أكتافهم بقضايا) باتت أغلب المقالات التي تُنشر اليوم تعيد تدوير خطاب قديم يحمّل جماعة الإخوان مسؤولية كل إخفاق سياسي أو إداري، حتى بعد مرور أكثر من 14 عامًا على الانقلاب عليهم ولا يدرون أن الثورة تلتهم أعوانها كما حدث مع الكثيرين ومنهم نخنوخ وكل نخنوخ. 

ومع تراجع مساحة النقد الحقيقي للسلطة القائمة، بذكر العسكرة التي بات يشتكي منها الجميع ومنهم القضاة والأزهريون، تحوّلت هذه الأقلام من نقد المنقلب عبدالفتاح السيسي تارة إلى مهاجمة مدبولي أو كامل الوزير أو في الغالب إلى مهاجمة الإخوان باعتبارهم الخصم الأسهل (المعتقل والمطارد والشهيد)، بينما تُترك بنية الاستبداد وأدواته خارج دائرة المساءلة.

ويأتي مقال عمار علي حسن المنشور في موقع "مصر 350" تحت عنوان «سياسة الأخونة، هل كانت مسارًا حقيقيًا أم مبالغة إعلامية؟» ليعيد فتح هذا السجال من جديد، مستندًا إلى سردية إعلامية وسياسية قديمة فندها الإخوان فضلا عن كونها تعود إلى عام 2013، رغم ما كشفته تقارير دولية وشهادات مسؤولين من معطيات مغايرة تمامًا.

 

فقد وثّقت صحف عالمية، مثل "نيويورك تايمز"، اختفاء أزمات الوقود والكهرباء بشكل مفاجئ بعد يوم واحد من بيان 3 يوليو، في حين أقرّ وزراء ومسؤولون سابقون بأن تلك الأزمات كانت مفتعلة أو ناتجة عن تعطيل متعمّد داخل أجهزة الدولة.

كما أشار باحثون مثل حازم قنديل إلى أن الصراع لم يكن بين "دين" و"دولة"، بل بين سلطة مدنية منتخبة وجهاز إداري وأمني رفض الانصياع لها.

وفي المقابل، تكشف الإحصاءات أن نسبة الإخوان في المناصب القيادية لم تتجاوز 2 إلى 5 %، ما يجعل خطاب "أخونة الدولة" أقرب إلى أداة سياسية منه إلى واقع فعلي.

 

هذا التناقض بين الخطاب والوقائع دفع محللين وكتّابًا إلى الرد على مقال عمار علي حسن، معتبرين أنه يعيد إنتاج سردية قديمة دون سند إداري أو وثائقي، ويتجاهل دور الدولة العميقة في إفشال التجربة الديمقراطية الوليدة، وفيما يلي أبرز ردود الفعل التي تناولت المقال ومضمونه.

الكابتن عمار

وينحو عمار بالفعل على حد رؤية د. حمزة زوبع إلى أن يكون (كابتين) ينقصه الكتافات والدبابير، وكتب @drzawba قائلا: "بعد ثلاثة عشر عاما على الخراب الذي أحدثه انقلاب العسكر في بلادي وخيانة من يسمون بالمثقفين وتطبيل من يدعون العلمانية والليبرالية خرج علينا أحدهم ليحدثنا عن خطة الإخوان لأخونة الدولة ".

وتساءل "زوبع"، "ممكن تحدثنا عن دور حضرتك في منع الاستبداد والفساد والديكتاتورية وحدثنا عن خططك أنت وأمثالك عن كيفية مواجهة خطط (العسكرة) التي تنفذ على مدار الساعة في مصر شرقا وغربا وشمالا وجنوباً، يا كابتن عمار ".

ورأى @AbdallahAlvai  أن "عمار علي حسن ومن على شاكلته لن يتخلوا عن لعق بيادة العسكر حتى  ولو  ضاعت مصر  أمام أعينهم".

 

https://x.com/AbdallahAlvai/status/2064808681229930498

وعبر صفحات نشرت المقال نكاية في الإخوان كتب أحمد عبده على فيسبوك (Ahmed Abdo)، متهما مقال عمار ب"كلام غير دقيق، تنقصه الحقائق والدلائل.." وأوضح "كلنا شهود على هذه المرحلة التي حكم الرئيس مرسي فيها لعام يتيم .. ليس صحيحًا ما تفضل به الدكتور عمَّار ….فترة مرسي شهدت مشاركة واسعة من اتجاهات سياسية وفكرية واجتماعية، راجع أسماء مساعدي الرئيس: سمير مرقص وعماد عبد الغفور وباكينام الشرقاوي وعصام الحداد، ومستشاري الرئيس ومنهم فاروق جويدة وسكينة فؤاد وعمرو الليثي ورفيق حبيب وأيمن الصياد وخالد علم الدين وغيرهم..".

وأضاف أن "رئيس الحكومة وقت مرسي هل ينتمي للإخوان ؟ وزراء الحقائب السيادية ( الدفاع والداخلية والعدل والمالية) إضافة إلى رئيس المخابرات وجهاز الأمن الوطني وغيرهم، هل كانوا من الإخوان ؟".

واعتبر أن "للأسف آفة الرأي الهوى، من تحالفوا للانقلاب على الديمقراطية والإطاحة بالرئيس المنتخب ارتكبوا جريمة تاريخية بحق مصر وشعبها.. ومن بين هؤلاء المنقلبين على الديمقراطية كان الدكتور عمار علي حسن.. ليته يندم ويتوب فقد أغرقنا وأغرق مصر بسبب الطمع والحسد.".

نقطة الصفر من جديد

ولعل هذا الذي يقصده الكاتب اليساري عمار علي حسن، العودة لنقطة الصفر عند 2013 وعهد الرئيس محمد مرسي  رحمه الله وأخزى المثبطين، يقول الكاتب خالد ضوي في تدوينة له على "فيسبوك ".

واعتبر أن مقاله طويل يحاول صياغة مقال تفكيكي يبدو في ظاهره "أكاديمياً وبحثياً"، لكنه في جوهره يعيد إنتاج السجال الأيديولوجي السائد منذ عام 2013، معتمداً على سردية طرف واحد وصياغة مصطلحات مطاطة.

وقال: إن "المقال شديد الهشاشة وليس بحاجة الى كثير من العناء لتفنيد ثغراته ومنها:

مغالطة الأخونة مقابل التمكين السياسي،

يتعامل المقال مع سعي أي تيار فائز بالانتخابات لتعيين رجاله في مناصب القيادة السياسية والتنفيذية وكأنه مؤامرة شيطانية فريدة ابتكرها الإخوان وتُدعى الأخونة".

فيما تنسف الأرقام كل هذه الادعاءات والأكاذيب

فعدد وزراء الإخوان في حكومة قنديل لم يتجاوز 9 وزراء من بين 36 وزير

وعدد المحافظين لم يتجاوز 7 من بين 28 محافظا

وعدد المستشارين لم يتجاوز 5 من بين 21 مستشار ا.

والرد المنهجي عليها أنه في كل الديمقراطيات المستقرة التي يولي العلمانيون وجوههم شطرها (كأمريكا وبريطانيا وفرنسا) ولا يفتأون يتلون على مسامعنا دروسا في عظمة ديمقراطيتهم وتقدمهم ورقيهم، في هذه الدول عندما يفوز حزب بالسلطة، فإنه يقوم بـ "التمكين السياسي" عبر تعيين رجاله في المناصب القيادية والوزارية ومساعدي الوزراء لتنفيذ برنامجه الانتخابي الذي اختاره الشعب. والاختزال المصطلحي بكلمة "أخونة" كان غطاءً دعائياً لرفض فكرة تداول السلطة ذاتها مع تيار مغاير، وتحويل الممارسة السياسية الطبيعية إلى "جريمة أيديولوجية".

غياب "الوثيقة الإدارية" والاعتماد على هواجس "الوطن" و"الشائعات"

يستشهد الكاتب بـ "#أنباء_ترددت" وبحوارات صحفية قديمة (مثل حوار الدكتور خالد فهمي في جريدة الوطن عام 2013) يعبر فيها عن "#مخاوف_شخصية" من اختفاء المخطوطات.

بينما بعد مرور أكثر من 13 عاماً على تلك الأحداث، لم يُفرج حتى الآن عن وثائق رسمية أو تقارير رقابية تثبت بالرقم والاسم تعيين "آلاف" الإخوان في الهيكل الإداري للدولة دون كفاءة، والاعتماد على "المخاوف والهواجس" المكتوبة في لحظة استقطاب سياسي حاد (يونيو 2013) واعتمادها كدليل بحثي الآن، هو سقطة منهجية تحوّل المقال من دراسة علمية إلى "أرشيف صحفي" منحاز.

 

إغفال الدولة العميقة وعقدة "المشاركة والرفض"

يرى الدكتور عمار أن الإخوان سعوا للهيمنة، مستدلاً بتعيين مستشارين في الوزارات.

وهنا يتجاهل تماماً واقع "الدولة العميقة" وجهازها الإداري الذي أعلن العصيان والامتناع عن العمل والتعاون مع أول رئيس مدني منتخب، والاستعانة بمستشارين كانت محاولة اضطرارية لتسيير الحد الأدنى من العمل في مؤسسات ترفض الانصياع للسلطة السياسية الجديدة، فضلاً عن أن المقال يعترف خجلاً بأن الرئاسة عرضت مناصب النواب والوزارات على قوى مدنية (كحمدين صباحي وأبو الفتوح) لكنهم هم من رفضوا المشاركة لإفشال التجربة مبكراً، فكيف يُلام تيار على الانفراد بالسلطة بعد أن قاطعه الجميع؟

 

تناقض المقارنة مع الغرب (أزمة الدولة والسيستم)

يستعين الدكتور عمار بآراء د. حسن نافعة حول حياد الجهاز الإداري في النظم الفاشية والشمولية.

وهو ما يدعو إلى الضحك لأن الجهاز الإداري المصري تاريخياً لم يكن محايداً يوماً؛ بل كان "مؤمماً" طوال ستين عاماً لصالح هيئة التحرير والاتحاد الاشتراكي ثم الحزب الوطني الحاكم، فمطالبة تيار جاء عبر الصندوق في عام واحد بتطبيق "مثالية إدارية" لم تعرفها الدولة المصرية طوال تاريخها الحديث، وفي ظل مجتمع ممزق أيديولوجياً، هي نوع من "التعجيز السياسي" والمحاكمة الظالمة للسياق التاريخي.

ومع احترامنا للدكتور عمار علي حسن، إلا أن المقال يقع في فخ "الأكاديمية المسيسة"، حيث يُعيد إنتاج أدبيات الخصومة السياسية لعام 2013 وصياغتها في قالب بحثي بارد (المقال أعادت نشره منصة صحيح الإخوان)

www.facebook.com%2F693570927164901%2F