انصياع وتشدد.. القاهرة تستقبل سفير واشنطن محام الصهاينة .. ودمشق تستبدل سفيرها الأحمد بيحيى دياب!

- ‎فيتقارير

تشهد الساحة الدبلوماسية في القاهرة تحركات لافتة ومستجدات متزامنة تتعلق بالتمثيل الدبلوماسي لكل من الولايات المتحدة الأمريكية وسوريا، وتتقاطع هذه التطورات مع حسابات سياسية وأمنية حيث تفرض واشنطن مرشحها الجديد للقاهرة كسفير نيك أوبرهايدن ذي الخلفية المثيرة للجدل.

وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً عن تسمية المحامي والمدافع الجنائي الفيدرالي نيك أوبرهايدن (Nick Oberheiden) سفيراً جديداً للولايات المتحدة لدى مصر. ويأتي هذا الاختيار ليثير اهتماماً واسعاً نظراً لخلفيته التي تمزج بين القانون والأمن والسياسة.

 

الدعاوى ضد حماس

وبرز اسم مكتب أوبرهايدن القانوني في واشنطن من خلال قيادته لـ "جبهة تقاضي" بارزة ممثلاً لعائلات تحمل الجنسيتين الأمريكية و"الإسرائيلية" ممن يزعمون أنهم تضرروا أو احتُجزوا خلال أحداث 7 أكتوبر، رافعاً قضايا تعويضات بمليارات الدولارات بموجب قانون مكافحة الإرهاب الأمريكي ضد حركة حماس والجهات الداعمة لها.

ويقود أوبرهايدن وفريقه القانوني دعاوى قضائية في المحاكم الفيدرالية الأمريكية (بموجب قانون مكافحة الإرهاب JASTA) نيابة عن مئات العائلات والأفراد مستمرا بملاحقة حركة حماس، بالإضافة إلى مقاضاة دول ومؤسسات مثل إيران وسوريا بتهمة تقديم الدعم المالي واللوجستي للحركة.

كما دعا لمقاضاة الأونروا والأمم المتحدة بسبب التقارير التي تنفي الاتهامات والمزاعم الصهيونية حيال الفلسطينيين، ولذلك اختاره ترامب للدفع بشخصية من خارج السلك الدبلوماسي التقليدي لتقود حلقة الوصل الاستراتيجية بين واشنطن والقاهرة، وهو ما يكسر العرف المعتاد الذي ركز لعقود على اختيار سفراء ذوي باع طويل داخل أروقة وزارة الخارجية الأمريكية وممن امتلكوا مسيرات ممتدة في عواصم المنطقة كبغداد وتل أبيب.

ويأتي قدومه من خارج السلك الدبلوماسي التقليدي كأحد رجال القانون الفيدراليين المحسوبين على الدائرة المقربة لترامب مما يجعله بمثابة قناة اتصال مباشرة و"رجل صفقات" مطلع على التفاصيل القانونية والأمنية الحساسة للمرحلة الإقليمية المقبلة.

وكان مكتب أوبرهايدن قد تولى الدفاع عن عدد من المتهمين في قضية اقتحام مبنى الكابيتول (الكونجرس الأمريكي) في 6 يناير 2021، وهو ما يضعه في قلب الدائرة المدافعة عن التيار اليميني الأكثر تشدداً وولاءً للرئيس دونالد ترامب. وتأسست شهرة أوبرهايدن المهنية من خلال مكتبه الخاص الذي أنشأه عام 2010 في مدينة دالاس بولاية تكساس، حيث تخصص في الدفاع عن موكليه في قضايا الجنايات الفيدرالية الكبرى والجرائم الاقتصادية المعقدة، مثل الرشاوى، وغسيل الأموال، والتهرب الضريبي، واستغلال المعلومات السرية.

ولم تقتصر مسيرته على الجوانب المالية، بل امتدت لتشمل قضايا جنائية معقدة وقضايا أمن قومي حساسة ارتبطت بملفات التجسس وتسريب المعلومات، مما منحه صلاحيات نادرة للاطلاع على وثائق ومعلومات شديدة الحساسية والسرية في الداخل الأمريكي.

وارتبط اسم أوبرهايدن في الأوساط السياسية الأمريكية بتوليه الدفاع عن "مايكل كوهين"، المستشار القانوني السابق للرئيس دونالد ترامب، في القضية الشهيرة التي تضمنت اتهامات بالتهرب الضريبي والاحتيال البنكي وانتهاك قوانين تمويل الحملات الانتخابية لعام 2016.

هذا التقاطع المباشر مع الدائرة القانونية اللصيقة بترامب جعل تعيينه الأخير خطوة تندرج -وفق قراءات مراقبين- في سياق رغبة الرئيس الأمريكي في الاستعانة بالشخصيات التي شاركته محطات صعوده القانوني والسياسي، ووضع رجاله المخلصين في البعثات الدبلوماسية الرئيسية حول العالم.
 

إشادة من الداعمين

الإجراءات التي اتخذها السيسي حيال قبوله محام ترامب والمستوطنين الصهاينة دعت مستشار ترامب وصهره “مسعد بولس” إلى الإشادة بما اسماه "الدور الريادي والمحوري" الذي تضطلع به مصر كركيزة للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وإفريقيا، معربًا عن تقديره للجهود التي يبذلها "عبد الفتاح السيسي" في دعم الاستقرار الإقليمي، ومؤكدًا حرص الإدارة الأمريكية على مواصلة تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع مصر، واستمرار التنسيق الوثيق بين البلدين لمواجهة التحديات المشتركة. بحسب ما زعم.

تقارير استخباراتية أثارتها الصحافة العبرية (مثل صحيفة "معاريف") تحذر من تنامي التنسيق العسكري والأمني بين مصر وتركيا، واحتمالية إبرام صفقات تسليح وتطوير عسكري قد تؤثر على ميزان القوى في المنطقة. وتتلاقى قدرة السفير الجديد على تتبع الملفات الأمنية والقانونية الحساسة مع رغبة واشنطن في مراقبة هذه التحركات وضمان عدم خروج التوازنات الإقليمية عن المسارات المعتمدة، خاصة في ظل الترتيبات الجارية في بلاد الشام ومرحلة ما بعد سقوط النظام السابق في سوريا.

 

استبدال "الأحمد" بالدبلوماسي "يحيى دياب"

على صعيد العلاقات المصرية-السورية، استجابت دمشق للتحفظات الأمنية والسياسية التي أبدتها القاهرة حيال مرشحها السابق، مظهرة براغماتية سياسية لتجاوز الأزمة الدبلوماسية. وكان ترشيح الأحمد (مدير إدارة الشئون العربية بالخارجية السورية) قد واجه اعتراضاً مصرياً غير رسمي؛ نظراً لخلفيته المرتبطة بالعمل السابق كوزير مدني في "حكومة الإنقاذ" بإدلب المرتبطة بهيئة تحرير الشام، وهي الخلفية التي أثارت هواجس أمنية لدى الأجهزة السيادية في القاهرة المتشددة حيال ملف الجماعات المسلحة والمقاتلين الأجانب.

ولتفكيك هذا الجمود، اتجهت الخارجية السورية نحو تسمية الدبلوماسي والحقوقي المخضرم يحيى دياب لشغل منصب السفير في القاهرة، وسط مؤشرات على قبول واعتماد مصري مرتقب. وينحدر دياب من منطقة الزبداني، وهو دبلوماسي عريق خدم في بعثات روما وأبوظبي وبلغراد قبل أن ينشق عام 2012 ويعود للخارجية أواخر العام الماضي، مما يجعله وجهاً تكنوقراطياً مقبولاً قادراً على إعادة قنوات التواصل الرسمي بين البلدين إلى مسار الاستقرار الحذر.

 

التشدد والشروط الصارمة أمام دمشق

ويظهر التقرير موقف السيسي المتشدد تجاه ترشيح سوريا لسفيرها السابق "محمد طه الأحمد"، حيث وضعت القاهرة ما يوصف بـ "العصا في الدولاب" ورفضت اعتماده بناءً على تدقيق صارم في خلفيته السياسية والأيديولوجية المرتبطة بمرحلة عمله في إدلب أو علاقاته القديمة.

ويُقرأ هذا التشدد كتمسك مصري بالثوابت الأمنية، والرفض القاطع للمرونة مع أي وجوه ارتبطت بكيانات تصنفها القاهرة في دائرة الإسلام السياسي أو الجماعات المسلحة، مما دفع دمشق في النهاية للاستجابة واستبداله بيحيى دياب.

الانصياع والمرونة أمام واشنطن

وفي المقابل، وخلال نفس التوقيت، جاء قبول القاهرة لتعيين السفير الأمريكي الجديد "نيك أوبرهايدن" ليمثل مفارقة حادة؛ فالرجل لا يمتلك فقط خلفية يمينيه متشددة، بل إنه يقود علناً دعاوى قضائية دولية تلاحق فصائل المقاومة (حماس)، ويدافع عن مصالح عائلات المستوطنين، بالإضافة إلى هجومه على مؤسسات دولية كالأونروا. ورغم هذه الخلفية الصادمة والانحياز الكامل، لم تبدِ القاهرة أي تحفظات رسمية بل قبلت التعيين فوراً.

 

دلالة التباين

ويرى محللون أن هذا التزامن يكشف بوضوح عن طبيعة الأولويات والبراغماتية التي تحكم النظام القائم في مصر، فتُطبق الشروط الصارمة والسيادة الدبلوماسية كاملة أمام الدول العربية التي تمر بمراحل تعافٍ أو هشاشة سياسية مثل سوريا، بينما يُستبدل هذا التشدد بمرونة تامة وانصياع للواقع أمام القوى العظمى كواشنطن.

ويوضح الموقف أن القاهرة مستعدة لتجاوز أي اعتبارات أيديولوجية أو انحيازات سياسية للسفير الأمريكي (حتى لو كانت لصالح "إسرائيل") في سبيل الحفاظ على "قناة اتصال مباشرة" وخط ساخن مع إدارة ترامب، مما يعكس رغبة في حماية المصالح السياسية والاقتصادية المباشرة مع البيت الأبيض على حساب التضامن الإقليمي أو المعايير الدبلوماسية الموحدة.