قانون بإغلاق المحال التجارية مبكرا واظلام الشوارع ، للحد من استهلاك الطاقة في مواجهة الحرب الإسرائيلية الامريكية ضد إيران، وفي وقت متقارب اقر الكنيست الإسرائيلي قانونًا يقضي بإعدام الاسري الفلسطينيين.
القرار المصري يسهل التراجع عنه وعودة الأمور الي طبيعتها حال انتهاء الحرب واستقرار الأوضاع، لكن القانون الإسرائيلي لا يمكن التراجع عنه الا في حالة رفضه من المحكمة الإسرائيلية العليا.
قرار الاغلاق رفضه الشعب المصري كرد فعل على ازمة مستجدة لا يعلم الي أي مدى ستطول، اما القانون الإسرائيلي فهو التطور الطبيعي لدولة لا بد من كشف وجهها القبيح كدولة احتلال وتطهير عرقي ذات طابع فاشي.
تم تطبيق أوامر الاغلاق المبكر بغشومية وتمييز طبقي فاضح، ويربط بين الحدثين ان كليهما نتاج لما هو ابعد من الضرورة الآنية في الحالة المصرية وابعد من الجوهر العنصري الديني الفاشي لدولة الاحتلال، كلاهما نتاج حالة من اليأس العميق من السياسة وفي الحالتين يتناقض مع مصالح الدولتين وخطابهما الدعائي، في الحالة المصرية اننا بلد مستقر اقتصاديا وجاذب للاستثمار والسياحة، وفي حالة دولة الاحتلال ادعاء انها واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق وحاجتها لغسل سمعتها مما لحق بها بعد جرائم الإبادة التي قامت بها في غزة.
وقد اتخذت الدول المتضررة من الحرب ثلاثة مسارات قسم بدأ يبحث عن مصادر بديلة لتوفير الطاقة والقسم الثاني اعتمد الدعم الحكومي اما القسم الثالث فقام بالتضييق على استهلاك المواطنين للطاقة، وقد اتخذت مصر المسار الأخير بالتضييق على عملية الاستهلاك التي يحتاجها الاقتصاد المصري ما دفع شرائح اجتماعية الي صفوف البطالة، مع وضع استثناءات لمناطق الاغنياء والشركات التابعة لجهات سيادية.
يأس سلطة الانقلاب
ما يعد انعكاسًا لحالة اليأس من السياسة والتفاوض، والبحث عن بدائل لتوفير الطاقة، يأس ينسجم مع اختيار السلطة الانقلاب علي الرئيس محمد مرسي صيف 2013، لطريق إغلاق المجال السياسي، لصالح القمع المعمم كأداة إدارة، واتخاذها كالعادة إجراءات تضر الأغلبية، الأكثر ضعفًا وفقرًا، في هذه الحالة الشرائح الاجتماعية التي تعيش من نتاج عملها بعد التاسعة مساء، وهي شرائح واسعة، وبالذات في المدن.
وفي المقابل يذهب الدعم الحكومي للطاقة لمن هم اقل احتياجا فيذهب الدعم للشركات كثيفة الاستهلاك للغاز مثل مصانع الحديد والصلب الذي تذهب أرباحها لحفنة من الافراد وليس للمجتمع فبدلا من ان تتفاوض السلطة مع الأطراف الأكثر استهلاكا للطاقة وتفرض عليهم شروطها في لعبة سياسية، تذهب الي الحل اليائس وتفرض نوعا جديدا من الحياة على شعب لم يتعود ان يذهب الي الفراش مبكرا.
ويعبر قانون الإعدام الجديد عن اليأس نفسه من السياسة، ففي اللحظة التي تعاني فيها دولة الاحتلال من التدهور الأكبر في سمعتها وصورتها منذ تأسيسها 1948، تضحي بكل الأوهام والأكاذيب التي بنت عليها سابقًا سمعتها الدولية، والقبول بها عالميًا، والتعاون معها على كل المستويات، كونها دولة القانون والديمقراطية المحاطة بأنظمة القمع والهمج الذين يريدون الفتك بها، وبأنها مرآة الغرب والتحضر في الشرق المظلم.
في هذه اللحظة الحرجة، يتبدى أمام قطاعات واسعة من شعوب العالم وجه دولة الاحتلال القبيح، ويبدأ الحديث عنها علنًا، في الشوارع وأروقة السياسيين ووسائل الإعلام، باعتبارها دولة تطهير عرقي وإبادة واستعمار، والحديث عن ضرورة نبذها وعقابها، تأتي الدولة لتقدم للجميع مبررًا إضافيًا لهذا النبذ، ودليلًا جديدًا على طبيعتها الفاشية والبربرية.
إنها مفارقة تاريخية سندرك معانيها وتأثيراتها مستقبلًا، وربما يكون بعضها في صالحنا، فبدلًا من السعي عبر عملية سياسية معقدة وطويلة وضرورية لاستعادة القبول الدولي بها، وأن ينسى العالم ما ارتكبته، يوافق برلمانها على أول قانون من نوعه في التاريخ الحديث، لا يربط عقوبة الإعدام بنوع الجريمة، بل بمن يرتكبها، بناء على الدين واللغة والأصل العرقي، مع فتح الباب القانوني لمعاقبة من يحملون الأوراق الثبوتية الإسرائيلية نفسها، إن كانوا من فلسطيني الداخل المحتل في 1948، بالإعدام إن هددوا أمن الكيان.
تعقدت المعادلات العالمية، وطرق الاحتجاج ومدى تأثيرها، من قبل قانون الإعدام الآتي لتعقيدها أكثر، أصبح كافيًا أن تُبلغ حفنة من العمال في أحد الموانئ أو المصانع الأوروبية أحد الصحفيين بتعاون ما مع شركة إسرائيلية لتنقلب الدنيا وتقع الفضيحة، وهو ما يضر إسرائيل حاليًا، ومرشح للازدياد مستقبلًا.
سياسة اليأس من السياسة
تغييب السياسة، أو بكلمات أخرى "سياسة اليأس من السياسة"، هي الأزمة التي تقف وراء قرار الاغلاق المصري والقانون الإسرائيلي، وإن كان في الحالة الإسرائيلية خطورتها أكبر على الدولة التي تتصور أن تفوقها التدميري يضمن لها البقاء والقبول، في حين يصعب تخيّل دوام الإمبراطورية الترامبية/النتنياهوية لسنوات طويلة، لكن هذا الوهم نفسه نتاج منهج احتقار السياسة، وتمجيد الشعبوية، التي انتهجها اليمين في العالم كله، كرد فعل على ثورات مهزومة وحركات تغيير أخفقت.
لكنْ، هناك جانب آخر يجمع القرار بالقانون، يُضاف لسياسة اليأس من السياسة، إنه الفشل أن تتخذ دولة ما إجراءً معينًا، على أمل تحقيق هدف ما، فلا يكون له أي مردود إيجابي، ويصبح تعبيرًا صريحًا عن الفشل، فمن الصعب تصور أن الإغلاق المبكر في مصر سيحل فعلًا أزمة الطاقة، مثلما من الصعب تصور استجابة المصريين طويلًا لقرارات الإظلام والإغلاق المبكر.
احتمالات الفشل على الجانب الإسرائيلي أكبر من الجانب المصري، فمن الصعب تصور أن قانون الإعدام سيردع الفلسطينيين، الفاقدين لأي أمل في حياة آمنة، عن المقاومة والتمرد والثورة وخصوصًا إن أخذنا في الاعتبار تاريخهم الطويل من الثورات والانتفاضات والمقاومة المسلحة بكل أشكالها، بما فيها العمليات الاستشهادية، والفلسطينيون يعرفون جيدًا أسماء وأعداد من يتم تصفيتهم خارج إطار القانون من الأسرى. ويعرفون أسماء وأعداد من خرجوا في عمليات فدائية بإدراك كامل أنهم على الأغلب لن يعودوا.