قفزات الوقود والكهرباء تكشف عمق الأزمة لا أسبابها
داخل مشهد إقليمي مضطرب، لم تكن الحرب في الخليج سوى اختبار قاسٍ كشف حقيقة الاقتصاد المصري، لا سبب أزمته، فمع أول صدمة في أسعار الطاقة، ظهرت هشاشة بنية اقتصادية أُنهكت أصلًا بسياسات توسعية غير منتجة، وإنفاق ضخم على مشروعات لا تدر عائدًا، في وقت تتآكل فيه قدرة الدولة على تحمل أبسط التزاماتها.
الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز سرّع من انفجار أزمة كانت كامنة، إذ دفعت تكلفة إنتاج الكهرباء إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تواصل الحكومة بيعها بأقل من نصف التكلفة، ما خلق فجوة دعم تقترب من تريليون جنيه سنويًا، أي نحو خمس الموازنة العامة.
لكن هذه الفجوة ليست وليدة الحرب، بل نتيجة تراكمات من سوء الإدارة، والاعتماد المفرط على الاستيراد، وغياب التخطيط طويل الأجل لتنويع مصادر الطاقة، إلى جانب التوسع في مشروعات كثيفة التكلفة محدودة الجدوى الاقتصادية.
اقتصاد مرهون بالخارج
تضاعف فاتورة استيراد الطاقة خلال شهرين فقط يعكس مدى انكشاف الاقتصاد المصري أمام الصدمات الخارجية، في ظل ضعف العملة وغياب مصادر دولارية مستدامة، ومع استمرار التوترات في مضيق هرمز، أصبحت الأسعار رهينة للمخاطر الجيوسياسية، ما يضع الحكومة في موقف مالي أكثر هشاشة.
عاصمة الصحراء وأولويات مختلة
في مقابل هذه الضغوط، يبرز تساؤل جوهري حول أولويات الإنفاق، إذ تم توجيه مئات المليارات إلى مشروعات مثل العاصمة الإدارية الجديدة، وغيرها من المشروعات التي لم تُسهم في تخفيف العبء الاقتصادي أو تحسين الإنتاجية، بينما جرى إهمال قطاعات حيوية كالصناعة والزراعة والطاقة المتجددة.
ويرى مراقبون أن جزءًا كبيرًا من الموارد تم توجيهه لخدمة شبكة مصالح مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، سواء عبر الإسناد المباشر للمشروعات أو التوسع في نشاطها الاقتصادي، ما أدى إلى تشوهات هيكلية أضعفت القطاع الخاص وأفقدت الاقتصاد مرونته.
إجراءات ترقيعية لا تعالج الأزمة
الإجراءات الحكومية الأخيرة، مثل ترشيد استهلاك الكهرباء وتقليل الوقود، تعكس محاولة لكسب الوقت، لكنها لا تمس جوهر المشكلة، فالأزمة لم تعد مجرد فجوة دعم، بل خلل هيكلي في نموذج اقتصادي قائم على الإنفاق دون إنتاج كافٍ.
ومع احتمالات رفع أسعار الكهرباء والمحروقات مجددًا، يواجه المواطن المصري موجة جديدة من الغلاء، في وقت تتآكل فيه الدخول، وتزداد الضغوط الاجتماعية.
نحو حافة الإفلاس
في ظل عجز متصاعد، وديون متراكمة، واعتماد متزايد على الخارج، تقترب مصر من لحظة حرجة، حيث لم يعد ممكنًا تحميل الأزمات للحرب أو الظروف الدولية فقط. فقد كشفت التطورات الأخيرة أن جذور الأزمة داخلية بالأساس، وأن استمرار النهج الحالي قد يدفع الاقتصاد إلى حافة الإفلاس، ما لم يتم إجراء مراجعة شاملة لأولويات الإنفاق وسياسات الإدارة الاقتصادية.