في الوقت الذي تتوسع فيه المخصصات المالية لصندوق التصنيع والإنتاج للسجون بزمن المنقلب السفاح السيسى،، وتكشف الحسابات الختامية عن تحقيقه أرباحًا فعلية بمئات الملايين من الجنيهات، تواجه أسر المعتقلين أعباء مالية متزايدة لتوفير احتياجات ذويها داخل أماكن الاحتجاز، وسط تقارير حقوقية عن إضرابات واحتجاجات على أوضاع السجون.
وسلطت مراجعة مالية وحقوقية نشرتها منظمة "هيومن رايتس إيجيبت" الضوء على التباين بين العوائد المالية للصندوق والأعباء التي تتحملها الأسر، مطالبة بالكشف عن تفاصيل الأنشطة الإنتاجية، وأجور النزلاء العاملين، ونصيبهم من الإيرادات، وضمان عدم استغلال أوضاع الاحتجاز لتحقيق مكاسب اقتصادية.
وتشير البيانات الرسمية التي استندت إليها المنظمة إلى أن الصندوق حقق صافي ربح فعليًا تجاوز 182.6 مليون جنيه خلال السنة المالية 2024/2025، بينما تتخطى موازنته المقدرة للعام المالي 2026/2027 حاجز المليار جنيه.
182.6 مليون جنيه أرباحًا فعلية في عام واحد
بحسب بيانات الحساب الختامي لصندوق التصنيع والإنتاج للسجون عن السنة المالية 2024/2025، الصادر بالقانون رقم 65 لسنة 2026، بلغت الإيرادات الفعلية للصندوق 631.45 مليون جنيه، فيما سجل صافي الربح الفعلي 182.62 مليون جنيه.
وجاءت أبرز الأرقام المالية على النحو التالي:
631.45 مليون جنيه: إيرادات فعلية.
182.62 مليون جنيه: صافي ربح فعلي.
448.83 مليون جنيه: تكاليف ومصروفات فعلية.
64.29 مليون جنيه: أجور فعلية ضمن المصروفات.
839.35 مليون جنيه: إجمالي الحساب الختامي وفق البيانات الواردة في المراجعة.
وتعكس هذه الأرقام تحقيق الصندوق أرباحًا فعلية، وليست مجرد تقديرات مالية مدرجة في الموازنة. لكنها لا تكشف وحدها عن حجم العوائد الناتجة عن عمل السجناء تحديدًا، أو نسبة مساهمة كل نشاط إنتاجي في الإيرادات والأرباح.
وهنا تبرز أسئلة تتعلق بكيفية توزيع العوائد، وحجم الإنفاق على تشغيل المشروعات، ومدى استفادة النزلاء العاملين من الأنشطة التي يشاركون فيها، في ظل غياب تفاصيل كافية عن الأجور الفردية وظروف العمل.
موازنة تتجاوز المليار جنيه.. وزيادة تقارب 63% خلال عامين
تُظهر بيانات الموازنات المعتمدة ارتفاع إجمالي موازنة الصندوق من نحو 642 مليون جنيه في العام المالي 2024/2025 إلى 835.19 مليون جنيه في 2025/2026، ثم إلى نحو 1.046 مليار جنيه في 2026/2027، بزيادة تقارب 63% خلال عامين.
وبحسب البيانات التفصيلية لموازنة 2026/2027، بلغت الإيرادات المقدرة 776.58 مليون جنيه، وصافي الربح المتوقع 211.86 مليون جنيه، مقابل تكاليف ومصروفات مقدرة بنحو 564.72 مليون جنيه، بينها 76.14 مليون جنيه للأجور. كما تضمنت الموازنة استخدامات رأسمالية بقيمة 269.98 مليون جنيه، منها 75 مليون جنيه للاستخدامات الاستثمارية.
وفي موازنة 2025/2026، بلغت الإيرادات المقدرة 589.5 مليون جنيه، وصافي الربح المتوقع 180.69 مليون جنيه. أما تقديرات موازنة 2024/2025، فكانت تشير إلى إيرادات بنحو 470 مليون جنيه وأرباح مقدرة بقيمة 155 مليون جنيه.
وتشدد المنظمة على ضرورة التمييز بين الأرقام التقديرية الواردة في الموازنات والنتائج الفعلية التي تظهرها الحسابات الختامية؛ فالمقارنة بينهما ضرورية لتقييم الأداء المالي للصندوق، لكنها لا تعني أن التقديرات تحققت بالفعل.
مصانع ومزارع داخل السجون.. وأسئلة عن أجور النزلاء
تشمل الأنشطة الإنتاجية المعلنة داخل السجون مصانع للأثاث والملابس والأعلاف، إلى جانب مشروعات زراعية وحيوانية وداجنة، ومنافذ لتسويق المنتجات.
وتقول وزارة الداخلية إن هذه الأنشطة تستهدف تأهيل النزلاء، وتوفير فرص عمل لهم، ومساعدتهم على اكتساب مهارات تتيح لهم الاندماج في المجتمع بعد انتهاء مدة العقوبة.
لكن البيانات المالية الإجمالية لا تقدم، وفق المراجعة الحقوقية، صورة تفصيلية عن عدد النزلاء العاملين، ومتوسط الأجور التي يتقاضونها، وطبيعة العقود المنظمة لعملهم، أو نسبة ما يحصلون عليه من عوائد الإنتاج.
كما لا توضح الأرقام المنشورة حجم الأرباح المتأتية من كل نشاط، بما يسمح بتحديد مدى اعتماد الصندوق على عمل السجناء في تحقيق إيراداته.
وتثير هذه الفجوات مطالب بمزيد من الشفافية، وضمان عدالة الأجور وظروف العمل، وعدم استغلال القيود التي تفرضها أوضاع الاحتجاز على قدرة النزلاء في رفض العمل أو التفاوض بشأن شروطه، إلى جانب إخضاع المشروعات الإنتاجية لرقابة مستقلة.
آلاف الجنيهات تتحملها الأسر لتوفير احتياجات المعتقلين
في المقابل، تتحمل أسر المعتقلين أعباء مالية كبيرة لتوفير احتياجات ذويها، وفق دراسة نشرها معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في نوفمبر 2025، استندت إلى مقابلات مع خمس أسر.
وأشارت الشهادات إلى أن تكلفة المواصلات للزيارة الواحدة تراوحت بين ألف و1600 جنيه، فيما تراوحت تكلفة تجهيز الطعام والاحتياجات بين 1500 و3000 جنيه. كما أفادت بعض الأسر بأنها ترسل مبالغ شهرية تتراوح بين 500 جنيه وأكثر من ألفي جنيه لشراء احتياجات ذويها داخل السجون.
وباحتساب الحدود العليا لهذه البنود، قد تصل تكلفة المواصلات وتجهيز زيارة واحدة إلى 4600 جنيه، دون احتساب التحويلات الشهرية.
لكن هذه الأرقام تستند إلى شهادات خمس أسر، ولا تمثل متوسطًا عامًا يمكن تعميمه على جميع أسر المحتجزين. ومع ذلك، فإنها تقدم صورة عن حجم الأعباء التي قد تواجهها العائلات، خصوصًا عندما تتكرر الزيارات أو تستمر فترات الاحتجاز طويلًا.
وتوثق تقارير حقوقية كذلك شكاوى بشأن ارتفاع أسعار بعض السلع داخل منافذ البيع المعروفة باسم "الكانتين"، واضطرار المحتجزين إلى الاعتماد عليها لتلبية احتياجات أساسية. وتطرح هذه الشكاوى تساؤلات بشأن الرقابة على الأسعار، ومدى كفاية الغذاء والملابس ومستلزمات النظافة والخدمات التي توفرها إدارة السجون.
وفي ظل هذه الأعباء، يصبح الكشف عن مصادر الإيرادات وأوجه الإنفاق، وضمان توفير الاحتياجات الأساسية للمحتجزين، جزءًا من النقاش بشأن مسؤولية الدولة الكاملة عن أوضاع الاحتجاز، وليس مجرد مسألة محاسبية.
"حراك أكتوبر".. احتجاجات خلف القضبان
تتزامن المؤشرات المالية مع تقارير حقوقية نُشرت يومي 7 و8 أكتوبر 2026 بشأن إضرابات عن الطعام وامتناع عن تسلم الوجبات داخل عدد من أماكن الاحتجاز، من بينها سجون بدر والمنيا والوادي الجديد، في إطار التحركات التي عُرفت باسم "حراك أكتوبر"
ووفق تلك التقارير، تضمنت الاحتجاجات مطالب بالإفراج عن المعتقلين وتحسين أوضاع الاحتجاز، إلى جانب شكاوى من إجراءات وُصفت بأنها عقابية بحق بعض المشاركين.
وتظل الادعاءات المتعلقة بهذه الإجراءات بحاجة إلى تحقيق مستقل، بما يضمن التحقق من الوقائع وتحديد المسؤوليات، فضلًا عن حماية المحتجزين من أي إجراءات انتقامية بسبب الاحتجاج السلمي.
ويضع تزامن هذه التحركات مع الأرقام المالية للصندوق قضية أوضاع السجون أمام أسئلة متشابكة: كيف تُدار الأنشطة الإنتاجية؟ وما الضمانات التي تحمي حقوق النزلاء العاملين؟ وهل تتوافر آليات مستقلة لمراجعة الأجور والأسعار وظروف الاحتجاز؟
ولا تثبت الأرباح المسجلة، في حد ذاتها، أن السجناء يُستغلون اقتصاديًا؛ لكنها تجعل نشر البيانات التفصيلية بشأن مصادر الإيرادات وتوزيعها، وظروف العمل داخل السجون، أمرًا ضروريًا لتقييم مدى احترام حقوق النزلاء.
مطالب بالشفافية والرقابة المستقلة
في ختام مراجعتها، طالبت منظمة "هيومن رايتس إيجيبت" باتخاذ إجراءات تتعلق بحقوق المحتجزين والرقابة المالية على أنشطة السجون، أبرزها :الإفراج عن المحتجزين تعسفيًا بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم، وإنهاء الحبس الاحتياطي المطول المخالف للقانون، فتح تحقيقات مستقلة في شكاوى المحتجزين، وضمان حمايتهم من الإجراءات الانتقامية بسبب الاحتجاج السلمي. نشر الحسابات التفصيلية لصندوق التصنيع والإنتاج للسجون، وإعلان أعداد النزلاء العاملين وأجورهم ونصيبهم من العوائد، إخضاع المشروعات الإنتاجية ومنافذ البيع داخل السجون لرقابة مالية وحقوقية مستقلة، ضمان توفير الغذاء والعلاج والزيارات والاحتياجات الأساسية للمحتجزين، دون تحميل أسرهم أعباء غير مبررة.
وبين أرباح فعلية تجاوزت 182 مليون جنيه وموازنة تقترب من 1.05 مليار جنيه، في مقابل أسر تنفق آلاف الجنيهات لتوفير احتياجات أبنائها وذويها، تتصدر الشفافية والمساءلة المشهد. فالمعيار الأساسي ليس حجم الإيرادات وحده، بل مدى خضوعها للرقابة، واحترام حقوق النزلاء، وضمان ألا تتحول القيود المفروضة على المحتجزين إلى باب للاستغلال الاقتصادي.