اعتبر فريق من المتابعين إعلان "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تحولًا جيوسياسيًا تاريخيًا، وخطوة إيجابية نحو بناء مظلة ردع إقليمية قادرة على مواجهة التحديات المتسارعة وتقاسم الأعباء الأمنية مع القوى الكبرى في منطقة تعج بالتوترات والملفات المشتعلة.
وذهب فريق آخر إلى التشكيك في فاعليتها الفعلية، مستحضرًا تعثر التحالفات السابقة وتقاطع المصالح المعقدة بين عواصمها، فضلًا عن تباين الرؤى حيال الأزمات المحيطة.
وفي غضون ذلك، تصدّر "غياب مصر" واجهة النقاشات بين النخب السياسية، مسجلًا انقسامًا حادًا بين من رأى فيه امتدادًا لجفوة سياسية وعقيدة استراتيجية تاريخية تتجنب الأحلاف الملزمة، وبين من اعتبره مراعاة لظروف القاهرة المعقدة، وسط تساؤلات ملحة حول ما إذا كان الاتفاق سيولد قطبًا إقليميًا مستقلًا، أم سيظل مجرد إطار نظري يختبره الميدان في المستقبل القريب.
الترحيب والبعد الجيوسياسي
اعتبر المحلل السياسي ياسر الزعاترة (@YZaatreh) أنه: "ابتداءً لا بد من القول إن أيّ تعزيز للعلاقة بين محاور الحالة الإسلامية الرئيسة في المنطقة هو مما يبشّر بالخير، بصرف النظر عن الخلافات التي يمكن أن تتوفر في ملفات أخرى… الخلاصة أن ما جرى يمثل خطوة إيجابية إذا ما حقق الأهداف التي أرادها، وهو ما لا يبدو صعبًا، لأن في ذلك مصلحة للجميع، بما فيها إيران، وإن لم يكن كذلك لـ"الكيان"، بجانب أحلام ترامب بجعل المنطقة محطة من محطات صراع بلاده مع الصين."
ويرى الزعاترة أن الاتفاق يمثل تعزيزًا لمحاور الحالة الإسلامية الكبرى، ويأتي ردًا على تحذيرات الدوائر الصهيونية المتكررة من تشكل "محور سني" يهدد أمن الاحتلال، في ظل تعثر الحل السياسي للقضية الفلسطينية والأطماع الإسرائيلية المتوسعة في سوريا ولبنان وغزة والضفة الغربية. كما يقرأ الخطوة السعودية بوصفها رسالة ردع واضحة لإيران بعدم الركون إلى "الغرور" أو استعادة سياسات التمدد المضر بأمن الإقليم.
فيما اتفق المحلل السياسي عبد الله السحيم (@abdullahassahem) مع جزء مما قاله الزعاترة، قائلًا: "إذا قرأت اتفاق مكة اليوم بمنطق "رقعة الشطرنج الكبرى" لبريجنسكي، فستكتشف أننا أمام تحرك جيوسياسي كبير… أي أننا لا نتحدث عن ثلاث دول فقط، بل عن ربط البحر الأسود والبحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج وبحر العرب والمحيط الهندي داخل مظلة دفاعية واحدة."
ويربط السحيم، من منظور استراتيجي، بين توقيت الاتفاق وإستراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026، التي ترفض تحمل كلفة حماية الشرق الأوسط وحدها، وتتجه نحو "تقاسم الأعباء" مع الحلفاء الإقليميين.
ويؤكد أن الاتفاق ليس حبرًا على ورق، بل يبني على تعاون عسكري سابق وملموس، يتمثل في وجود آلاف الجنود والمقاتلات والطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع الجوي، بما قد يحول هذه الدول تدريجيًا إلى قطب إقليمي مستقل يوازن بين النفوذين الغربي والصيني.
ويرى الباحث السوري هيثم العوض (@haythamalawad) أن "التحالف السعودي التركي الباكستاني ليس مجرد اتفاق عسكري عابر، بل يعكس تحولًا استراتيجيًا في شكل التحالفات الإقليمية… عندما تشعر الدول بأن التحديات الأمنية تتغير، فإنها تبحث عن شركاء يمتلكون الإرادة والقدرة على صناعة التوازن والردع، لا عن تحالفات شكلية أو أدوار فقدت تأثيرها."
ويعتبر التحالف استجابة طبيعية لتغير طبيعة التهديدات الأمنية، والبحث عن شركاء حقيقيين يمتلكون القدرات العسكرية والسياسية الفعلية لصناعة الردع، بعيدًا عن الشعارات الاستعراضية.
دفاع الأجهزة
هاجم سامح عسكر (@sameh_asker)، المحسوب على اللجان المخابراتية، التحالف، وقال: "أولًا: هذا إعلان وفاة رسمي لجامعة الدول العربية… ثانيًا: إعلان وفاة إكلينيكي لمجلس التعاون الخليجي… سادسًا: أي اتفاقية دفاع مشترك يجب أن تحل مسائل منها: حسابات التدخل، والنوع، والهدف، والوسيلة… وفي تقديري لم تناقش هذه الأشياء، فالتحالف أعلن بسرعة ومن دون مقدمات."
ويشكك عسكر في فاعلية الاتفاق، مستحضرًا تعثر تحالفات المملكة السابقة، مثل "عاصفة الحزم" و"التحالف الإسلامي" و"تحالف البحر الأحمر"، مشيرًا إلى وجود تقاطعات وتناقضات عميقة في مصالح الدول الثلاث تجاه قضايا كبرى، مثل إيران والهند وفصائل المقاومة. ويُقرأ طرحه نقديًا بوصفه نوعًا من الشك المنهجي المعتاد في قراءة الهياكل العسكرية غير المدروسة بدقة لوجستية.
وعلى غراره، كتب محمد دلباخ (@DelbahMohamed): "الرئاسة التركية نطقت بالحقيقة: اتفاقية الدفاع مع السعودية وباكستان لا تتعارض مع التزاماتنا في الناتو، ولا تشكل حلفًا موازيًا له. إذن ما مبرر إقامة هذا الحلف؟ وهل من رسالة أو بيان تفصيلي يوضح أهداف الحلف ومبرراته؟"
ويتساءل عن المبررات والرسائل التفصيلية الكامنة وراء هذا الحلف، في ظل تأكيدات أنقرة الرسمية بعدم تعارضه مع التزاماتها داخل حلف الناتو، مطالبًا ببيانات واضحة تحدد أهدافه بدقة.
وتطرح هذه الأصوات شكوكًا حول مدى التزام الأعضاء بتفعيل بند الدفاع المشترك فعليًا، في حال تعرض أحد الأطراف لاعتداء أو نشوب نزاعات دولية معقدة.
واتفق الصحفي المؤيد للانقلاب عبد الواحد عاشور (@AA_Ashour) مع سامح عسكر، قائلًا: "مصر لديها عقيدة استراتيجية تتجنب تاريخيًا الانضمام إلى الأحلاف العسكرية الملزمة التي قد تقيد قرارها السياسي، وهو نهج اتبعته منذ عهد عبد الناصر مع سياسة عدم الانحياز، وهو ما يمنحها مساحة أوسع للموازنة بين القوى المختلفة."
ويسوق دفاعًا مؤسسيًا يعكس الخطاب الرسمي والدبلوماسي المرتبط بالعقيدة الأمنية والعسكرية التقليدية لمصر، والتي دأبت الدوائر الأمنية والدبلوماسية الموالية لنظام الحكم على التمسك بها غطاءً استراتيجيًا لتبرير عدم الانخراط في محاور إقليمية ملزمة.
تداعيات البعد الأمني
واعتبر الصحفي نظام المهداوي (@NezamMahdawi) أن: "غياب الجنرال الانقلابي السيسي عن حلف السعودية وتركيا وباكستان، غيّب مصر، كدأبه منذ أن تولى الرئاسة… السيسي صهيوني أصيل، مهما حاولت لجانه أن تخفي هذه الحقيقة الساطعة سطوع الشمس."
https://x.com/NezamMahdawi/status/2085785319513968991
وشن هجومًا حادًا على السيسي، مرجعًا غياب مصر إلى خيارات سياسية تخدم مصالح الاحتلال، بحسب تعبيره، مسلطًا الضوء على انعكاسات أسلوب إدارة السلطة العسكرية في مصر خلال العقد الأخير على دورها الإقليمي الاستراتيجي.
وفي مجاملة سعودية، أو ربما محاولة لتأجيل الهجوم الرسمي المصري عبر إعلام الأذرع، كتب السعودي (@BMZ2030): "مصر في القلب ولم ولن تغيب، فالحاضر التاريخي لا تواريه الحسابات المؤقتة… المملكة، انطلاقًا من تقديرها البالغ لظروف الأشقاء، لا ترغب في إحراج مصر أو وضعها في موقف صعب مع بعض دول المنطقة."
وحاول التأكيد على عمق العلاقة الاستراتيجية بين السعودية ومصر، موضحًا أن غياب التوقيع الفوري يرجع إلى تقدير ظروف القاهرة المعقدة وتعقيدات حدودها وملفاتها الداخلية، وأن البلدين يدٌ واحدة في أمن البحر الأحمر.
غير أنه، من الناحية الدبلوماسية، بدا واضحًا لوزير الخارجية التونسي الأسبق الدكتور رفيق عبد السلام (@RafikAbdessalem) أن: "غياب مصر عن الاتفاق دليل على وجود جفوة بين الرياض والقاهرة، ولكن هذا ليس مهمًا، فقدر هذه المنطقة أن تلتقي الرياض وأنقرة والقاهرة وإسلام آباد وطهران، وربما الجزائر أو المغرب عن الجناح الغربي لاحقًا."
ويعتبر الغياب مؤشرًا على جفوة مؤقتة، داعيًا إلى بناء محور إسلامي جامع يضم مختلف القوى الإقليمية في مواجهة التهديدات المشتركة، وفي مقدمتها الاحتلال.
أبرز التعديلات اقتصرت على التصويب اللغوي والإملائي، وتحسين علامات الترقيم، وتوحيد الصياغة، مثل: "المؤال" إلى "المؤيد"، و"غيّب مصر" بدل "وغيّب مصر"، و"الناتو" بدل "النيتو"، و"حبرًا" بدل "حبراً"، مع الحفاظ على جميع التفاصيل والمضمون كما ورد في النص.