أموال المصريين لمشروعات الإسكان الفاخر …وحرمان الصناعة والزراعة منها

- ‎فيتقارير

في دولة تعاني من تراكم الديون وارتفاع نسب التضخم لأرقام قياسية، وتراجع القدرة الشرائية وتراجع العملة الوطنية أمام العملات الأخرى، كان من الأحرى على النظام الحاكم العمل على إيجاد حلول لهذه الأزمات المتصاعدة، ولكنه لم يفعل واستمر بالسير في ذات الطريق، حيث أعلن مؤخرا عن استكمال إنشاءات عدد من الأبراج

 السكنية ومارينا خدمية وفنادق بمدينة الجلالة الجديدة التي تضم أنشطة اقتصادية وطبية وتعليمية ومارين العائمات لجذب الشركات العالمية.

 

وفي ذات السياق أمر رئيس الانقلاب بتعديل مسار طريق" العين السخنة_الزعفرانة" الذي نفذته الهيئة الهندسية بتكلفة بلغت 4 مليار جنيه 2014، نظرا لعيوب إنشائية تسببت في العديد من الحوادث المرورية منها مصرع 12 طالبا وإصابة 33 من طلاب جامعة الجلالة أواخر أكتوبر 2024 .
 

وفي 18 أبريل أعلنت الحكومة ورجل الأعمال هشام طلعت مصطفى تدشين مدينة جديدة في الصحراء تضم 165 برجا سكنيا وإداريا وتجاريا على مساحة 520 فدانا بتكلفة بلغت 27 مليار دولار بشراكة مع البنك الأهلي.

 

وتري حكومة الانقلاب أن هذه المشروعات تتوافق مع توجهاتها لإعادة توزيع السكان وتوفير فرص عمل وجني الأرباح وتحصيل الضرائب, وقدمت "مجموعة طلعت مصطفى" إعلانا باللغة الإنجليزية استفز بما يملك من إمكانات سياحية وترفيهية المصريين لما يحمله من فخامة وسعاره الغالية، حيث يصل يسعر أقل وحدة إلى ما بين 11 مليونا و12 مليون جنيه.

وفي إطار المشروعات الترفيهية ففي نوفمبر الماضي، أعلنت الحكومة عن خططها لإنشاء ميناء سياحي دولي بمدينة العلمين الجديدة بالساحل الشمالي الغربي لاستقبال اليخوت الفاخرة وسفن الكروز، بتكلفة 80 مليون دولار، وذلك رغم وجود 23 مارينا لليخوت بساحلي البحرين الأحمر والمتوسط, في ظل فرض قرارات التقشف ورفع أسعار الطاقة والكهرباء، وضغوط الديون الخارجية وتراجع الدعم الخليجي.

 

مخاطر الاستثمار في الإسكان الفاخر

 

 وقال الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد ذكر الله، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر: إن "مشروعات الإسكان الفاخرة في ظل الضغوط المالية الكبيرة والحادة التي تعاني منها مصر حاليا تحمل الكثير من المخاطر"، محددا أولى تلك المخاطر "في الموارد والتي تتمثل في الأراضي والتمويل والعملة الصعبة"، مؤكدا أن "توجيه هذه الموارد بعيدا القطاعات الأكثر إلحاحا مثل الصناعة والزراعة والإسكان المتوسط، يضعف الأثر على النمو الحقيقي للبلاد فسيكون نموا ظاهريا لا حقيقيا.

 وأضاف الخطر الثاني، يتمثل في "ضعف الطلب الفعلي، فقد تتحول تلك الأصول في العاصمة الإدارية والساحل الشمالي سابقا وحاليا إلى وحدات وأصول غير مستغلة، وموجهة إلى المضاربة إلى حد كبير، ما يعني أن رأس المال سيجمد بدلا من تدويره على المشروعات الإنتاجية المختلفة, موضحا من المخاطر أيضا؛ زيادة العبء المالي عبر الاقتراض أو الالتزامات المضمونة"، مشيرا إلى "ما يمكن أن نسميه أثر المزاحمة، مبينا أنه "كلاسيكيا كنا نعاني من هذا الأثر بمزاحمة الحكومة للقطاع الخاص للحصول على التمويل البنكي، وأعتقد الآن أن المشكلة أصبحت في مزاحمة القطاع العقاري لكل القطاعات على التمويل البنكي.

 وأكد رئيس قسم الدراسات الاقتصادية بأكاديمية العلاقات الدولية،  أن "هذه المزاحمة ستضغط على التوافق التمويلي الكافي للمشروعات الصناعية والزراعية والإنتاجية بصفة عامة، إضافة إلى أنه يمكن أن مثل تلك المشروعات التي ستجمد جزء من رأس المال ستؤدي إلى قروض جديدة وتزيد من حساسية الاقتصاد للصدمات, مضيفا "لا أعرف هل هناك دراسة طلب حقيقية على مثل هذه المشروعات أم لا؟، ولا أعرف هل هذا المشروع مرتبط بسلاسل القيمة المنتجة؟، مثل السياحة العلاجية والتعليم والخدمات بما يخلق نوع من أنواع التدفقات النقدية الشاملة"، مستدركا: "لكن ما أعرفه أن هذه المشروعات مرتبطة بمجموعة مخاطر.

وقال عن الجدوى من بناء مثل تلك الأبراج: "لا يمكن أن تثبت إلا من خلال القدرة على توليد طلب حقيقي وعائد مستدام يحرك الاقتصاد، بدلا من أن يكون عبئا على الموازنة العامة، مشيرا في نهاية حديثه إلى أن "كل تلك المشروعات لا تخدم عموم الشعب وإنما تتركز في خدمة ربما فئة لا تزيد عن 5 بالمئة من إجمالي عدد السكان، وتوجيه كل تلك الموارد لخدمة فئة قليلة أمر خطير للغاية."

وأكد مستثمر عقاري أن "تلك المشروعات وخاصة بشراكة حكومية أجهضت محاولات الشركات الصغيرة في الصمود أمام ما تحصل عليه من امتيازات بينها أسعار الأرض وتكلفة توصيل خدمات الكهرباء والمياه والغاز والاتصالات، وحتى الحصول على قروض من البنوك بتسهيلات واسعة, مشيرا إلى أنها "تسببت برفع أسعار السوق العقاري من قمته إلى قاعه، حيث ارتفعت أسعار جميع الوحدات السكنية في وقت قياسي وبأرقام قياسية تُعجز المصريين عن اقتنائها"، ملمحا إلى أنه "وبعيدا عن الارتفاع الهائل بتكاليف مواد البناء وخاصة الحديد والأسمنت وتقويم أسعارها بالدولار، إلا أن تلك المشروعات تسببت في رفع أسعار الإسكان المتوسط أيضا.

وسجلت مؤشرات منصة "عقار ماب"، تسجيل مناطق الشيخ زايد غرب القاهرة، والقاهرة الجديدة، ورأس الحكمة بالساحل الشمالي, زيادات بالأسعار وصلت 300 بالمئة بالقطاعات الفاخرة و200 بالمئة بالمتوسطة بالعامين الماضيين.

حالة تناقض

وأشار البعض إلى حالة التناقض الكبيرة في المجتمع، بين مطالبات برفع الحد الأدنى للأجور إلى 8 آلاف جنيه وتطبيق القطاع الخاص للحد القديم المقدر بـ7 آلاف، وبين أسعار وحدات مشروع "ذا سباين" التي تبدأ من (11.5 إلى 12 مليون جنيه) للغرفة الواحدة (68 م²)، وتصل بين (35 و66 مليون جنيه) للوحدات الكبيرة، وسداد على 5 سنوات, ويتحدث محللون عن ضرورة توجيه الاستثمارات إلى قطاع الإنتاج ما يتبعه قيم مضافة حقيقية وأرباح مستمرة ودخل حقيقي، بدلا من التركيز على قطاع الإسكان الفاخر، الذي يقل الطلب عليه، وفق تأكيد الخبير الاقتصادي هاني توفيق.

وتحدث توفيق، عن "انخفاض نمو الطلب على العقارات من 125 بالمئة عام 2024 إلى 10 بالمئة فقط في 2025"، لافتا إلى "أن نسبة الاستثمار العقاري بمصر 20 بالمئة من الناتج المحلي، بينما المتوسط العالمي 10 بالمئة فقط"، محذرا من ركود مؤكد يحتم إعادة ترتيب أولويات استخدام موارد مصر المحدودة، بدلا من احتفال حكومة بالكامل بمجرد مشروع عقاري.

انتقد الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد البهائي، توجه الدولة نحو "اقتصاد يبني مدنا، ويهمل إنتاجا، وتحويل 1.4 تريليون جنيه إلى خرسانة بدل من مصنع"، متسائلا: "ماذا لو وُجّه هذا الحجم الهائل من الموارد إلى الاقتصاد الإنتاجي بدلا من العقاري؟"، مضيفا: هل نحن أمام اقتصاد يبني مستقبلا فعلا أم اقتصاد بارع فقط في بناء ما يُرى، وترك ما يُنتج في الظل؟
تخفيض رسوم المطورين العقاريين

وإلى جانب تسهيلات تخصيص الأراضي وإمداد المطورين بالخدمات اللازمة، تواصل الحكومة المصرية دعم قطاع العقارات الفاخر، ففي آخر قراراتها جاء تخفيض الرسوم المفروضة على مشروعات الشراكة العقارية بالساحل الشمالي، بعد تعديل طريقة احتسابها لتُطبَّق على المساحة البنائية القابلة للبيع بدلا من إجمالي مساحة الأرض، ما يقلّص قيمة الرسوم التي يتحملها المطورونK

وذلك إلى جانب قيامها بإسناد إدارة المشروعات الفاخرة إلى شركات عالمية بعد تدشينها بقروض دولية ومحلية، ما يقلل من عوائدها على الدولة المصرية وفق البعض, وفي هذا السياق، يأتي طرح الحكومة المصرية إدارة وتشغيل منطقة أبراج "الداون تاون" بمدينة العلمين الجديدة والتي تضم 5 أبراج كاملة التشطيب، بينها برج أيقوني بارتفاع 250 مترا، والتي جرى تنفيذها بنحو 37 مليار جنيه، أمام تحالفات محلية وأجنبية قبل نهاية العام الجاري.