أكد الباحث الخليجي حسين الوحيدي أن تخارج الجيش من الاقتصاد المصري يعالج واحدة من أكثر القضايا حساسية في الاقتصاد، تتمثل في حجم الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية وكيفية إدارة هذا الدور بما يحقق التوازن بين متطلبات الاستقرار الأمني واحتياجات النمو.
وأشار إلى أن الفكرة الأساسية هي فصل الدور العسكري عن الاقتصادي تدريجيًا، وتحويل الأصول لصندوق، وطرحها في السوق، والاحتفاظ بحصة استراتيجية، وهو نموذج معمول به عالميًا وتكمن المشكلة الحقيقية في تضارب المصالح حيث باتت المؤسسة العسكرية لاعبا اقتصاديا.
ويأتي طرح الوحيدي استكمالًا لنقاش واسع أثاره في أجزاء سابقة، حيث تناول الدين العام ودور المؤسسة العسكرية، قبل أن ينتقل في هذا الجزء إلى تقديم نموذج عملي لتخارج تدريجي ومدروس يتيح للقطاع الخاص والاستثمارات الخارجية مساحة أكبر للمشاركة في الاقتصاد، دون المساس بالدور الاستراتيجي للمؤسسة العسكرية.
واستعرض حسين الوحيدي @haaw50 نظرة تاريخية على النشاط الاقتصادي العسكري، الذي تعود جذوره إلى الخمسينيات مع إنشاء وزارة الإنتاج الحربي عام 1954، قبل أن يشهد توسعًا كبيرًا عام 1979 مع تأسيس جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، ثم تسارعًا ملحوظًا بعد عام 2014. ويقدّر عدد الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية بنحو 97 شركة، بينها 73 شركة صناعية، فيما تتراوح تقديرات حجم النشاط الاقتصادي العسكري بين 5% و15% من الناتج المحلي الإجمالي وفق مصادر دولية.
وتعمل هذه الشركات في قطاعات واسعة تشمل البنية التحتية والإنشاءات، الزراعة والأغذية، الأسمنت والتعدين، الطاقة، السياحة والفنادق، إضافة إلى صناعات متنوعة. ويشير الوحيدي إلى أن المؤسسة العسكرية تتمتع بمزايا تنافسية لا تتوفر للقطاع الخاص، مثل الحصول على أراضٍ حكومية بتكلفة رمزية، وإعفاءات ضريبية وجمركية، وتمويل ميسر من البنوك الحكومية، إلى جانب امتلاك معدات ثقيلة وقدرات تنفيذية عالية، فضلًا عن أولوية في المشروعات الاستراتيجية.
ويؤكد الوحيدي أن الجيش لعب دورًا مهمًا في دعم الاقتصاد المصري خلال فترات صعبة، وأن توسع دوره بعد 2014 جاء استجابة لحاجة الدولة إلى جهة قادرة على تنفيذ مشروعات قومية كبرى بسرعة وكفاءة، مع استمرار اعتباره صمام أمان يحافظ على استقرار الدولة.
لكن الوحيدي يطرح سؤالًا استراتيجيًا حول مستقبل هذا الدور، متسائلًا ما إذا كان الوقت قد حان لخطوة تدريجية تسمح للمؤسسة العسكرية بالانسحاب من بعض الأنشطة الاقتصادية المدنية، بما يفتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمارات الخارجية، ويعزز قدرة مصر على تحقيق نمو إنتاجي يتناسب مع التحديات الإقليمية والاقتصادية الراهنة.
هل آن الأوان لتأخذ المؤسسة العسكرية خطوة تدريجية إلى الخلف من بعض الأنشطة الاقتصادية المدنية، وتُسلم الراية للقطاع الخاص والاستثمارات الخارجية لتمهيد الطريق أمام مصر لتلعب دورًا إقليميًا أوسع، وتحقق نقلة نوعية في الإنتاج والنمو تتناسب مع التحديات الحالية؟
الجزء الثاني
يواصل حسين الوحيدي في الجزء الثاني (ب) من سلسلته حول التحديات والمخاطر في التكامل الخليجي–المصري طرح الحلول العملية بعد مناقشة الدين العام ودور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد. ويشير إلى أن تفاعل المتابعين تضمن أربع نقاط رئيسية: الإقرار بالدور الإيجابي للمؤسسة العسكرية في فترات الأزمات، القناعة بضرورة توسيع مشاركة القطاع الخاص، وجود مخاوف من تأثير أي تقليص لدور الجيش على الاستقرار، وأهمية أن يكون أي تخارج تدريجيًا ومدروسًا.
يقترح الوحيدي نموذجًا لتخارج تدريجي من الأنشطة الاقتصادية المدنية، مع الحفاظ على الدور الاستراتيجي للمؤسسة العسكرية. ويقوم النموذج على تأسيس صندوق سيادي يتبع المؤسسة العسكرية لإدارة الأصول المدنية، ثم بيع بعض الشركات لمستثمرين استراتيجيين أو طرحها للاكتتاب العام، مع احتفاظ الصندوق بحصة تتراوح بين 20 و25%. ويتم تنفيذ التخارج خلال فترة تمتد بين خمس وعشر سنوات، بالتوازي مع إصلاحات اقتصادية تشمل تحسين بيئة الأعمال، مكافحة الفساد، تسريع الإجراءات، وإعادة هيكلة الدين العام.
ويعدد الوحيدي الفوائد المتوقعة من هذا النموذج، ومنها تحرير موارد المؤسسة العسكرية للتركيز على مهامها الأساسية، وتوفير موارد مالية لتطوير الصناعات الدفاعية، وضمان إيرادات مستمرة من الحصص المحتفظ بها، إضافة إلى جذب استثمارات خليجية وأجنبية، وخلق فرص عمل، وتعزيز الثقة الدولية في الاقتصاد المصري.
لكن تنفيذ النموذج يواجه تحديات حقيقية، أبرزها المقاومة السياسية والمؤسسية، وصعوبة جذب مستثمرين بأسعار عادلة في الظروف الحالية، وخطر التسرع في البيع، والحاجة إلى إصلاحات موازية قبل أو أثناء عملية التخارج.
https://x.com/haaw50/status/2046514536769831138
وعلق على ما طرحه باحث مصري يدعى وحيد منصور @MRwahed موضحا رأيه في عدة تغريدات متتابعة قال إنه "في نفس الوقت هي منظم للسوق بشكل غير مباشر، والتخارج الحقيقي يعني فقدان نفوذ، وليس فقط بيع أصول، وده أصعب من أي معادلة مالية.. ده غير الثقة الاستثمارية ، لأن مقترح حضرتك بيفترض ان المستثمر هيشتري ويضخ أموال بثقة، ولكن المستثمر بيسأل :هل في منافسة عادلة ؟ ،وهل القواعد ثابتة ؟!
موضحا أن "التحدي الأكبر ليس اقتصاديًا فقط، بل مؤسسي، يعني هل يمكن تقليص الدور الاقتصادي مع الحفاظ على نفس النفوذ ؟!! لذلك، أي نموذج تخارج يجب أن يبدأ بإصلاح البيئة أولًا ثم البيع، وليس العكس !!.. بدون إصلاح حقيقي في بيئة الأعمال واستقرار السياسات، هناك خطر أن يتم التخارج تحت ضغط، وبأسعار أقل من القيمة، أو بدون جذب استثمارات إنتاجية حقيقية.".
ورأى حسن عبد الهادي @aboesaa2001 أن ".. النموذج قابل للتنفيذ وإن صاحبه صعوبات في آلية التنفيذ بسبب مقاومة التغيير من بعض المنتفعين و هذا طبيعي في أي عملية تحسين سواء على مستوى الدول أو المؤسسات المهم أن تكون الإدارة العليا عازمة على التغيير وأن تختار أصحاب الكفاءات في هذه العملية".