في قرار لا يخفي العداء للبحث العلمي والعلماء وكل ما هو في صالح المواطن المصري البسيط، أخطر مجلس الوزراء، مركز البحوث الزراعية منتصف مارس الماضي بتنفيذ قرار صدر في يوليو 2025 يقضي بنقل تبعية قرابة 70 فدانا من أراضي مر كز البحوث الزراعية لصالح "جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة".
وفي بداية أبريل الجاري أُبلغ مسؤولون بالمركز على موافقة الرئاسة على نقل أرض إضافية تابعة لمركز البحوث إلى "جهاز مستقبل مصر"، ونقل العاملين إلى موقع بديل بمنطقة دهشور، بدلا من المقر الحالي قرب جامعة القاهرة وكلية الزراعة.
وقال أحد الباحثين: "سيبنون وحدات سكنية على الأراضي السوداء التي خُصبت على مدار عشرات السنين لإجراء التجارب وإنتاج التقاوي والبذور بدلًا من استيرادها، بحجة أنها أصول غير مستغلة ولا تدر عائدًا، بالنظر إلى موقعها المميز في قلب محافظة الجيزة وبالقرب من كورنيش النيل".
خطة ممنهجة للقضاء على البحث العلمي الزراعي
أجمع الباحثون على وجود "خطة ممنهجة" لتقليص دور المركز، بدأت بالاستحواذ على أراض محطاته البحثية، وامتدت إلى مقره الرئيسي، رغم كونه من أبرز المراكز البحثية في الشرق الأوسط، وله دور محوري في دعم الأمن الغذائي وزيادة إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية.
وتساءلوا هل يعقل انتزاع أراضٍ زراعية خصبة مخصصة للبحث العلمي ونقلها إلى جهة خارج نطاق الرقابة؟، وطالب أحد الأساتذة المتفرغين، صانعي القرار بإعادة النظر في مسمى "جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، إذ إن هناك فرقًا بين "النمو" بوصفه زيادة في الإنتاج، و"التنمية المستدامة" التي تعني ترشيد استخدام الموارد مع مراعاة حقوق الأجيال القادمة، مشيرا الي ان أراضي مركز البحوث الزراعية تمثل جزءًا من هذه الحقوق.
يعد مركز البحوث الزراعية، الذي أنشئ عام 1971، أكبر هيئة بحثية تطبيقية في البلاد، وعلى مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وفق تصنيف دولي لعام 2025.
ويمتلك مركز البحوث الزراعية بنية بحثية ضخمة تضم 16 معهدًا و12 معملًا و50 محطة بحثية على امتداد أغلب المحافظات، كما يساهم المركز في جميع المجالات المتعلقة بالثروة الحيوانية ومقاومة الآفات، والزراعة وزيادة إنتاجية المحاصيل، مثل الذرة التي ضاعف إنتاجيتها محصولها، والقمح الذي زادت إنتاجية الفدان منه بأكثر من الثلاثة اضعاف، وذلك بجهود نحو 17 ألف باحث، ولكن هذا الدور حاليًا أصبح يواجه تحديات أهمها نقص المخصصات المالية والتي تتقلص على مدار السنوات الماضية، وذلك إلى جانب خفض المساحات المخصصة للمزارع البحثية مؤخرًا.
ويحظى جهاز مستقبل مصر بدعم رئاسي، يتمثل في الاجتماعات الدورية المكثفة بين رئيسه العقيد بهاء الغنام والمنقلب عبد الفتاح السيسي، والتوسع بتخصيص الأراضي، بالتزامن مع توسيع مهامه من استصلاح الأراضي إلى السيطرة على قطاعات استراتيجية مهمة مثل استيراد السلع التموينية والقمح والتصنيع الغذائي والطاقة والتطوير العقاري.
غموض الوضع القانوي لجهاز مستقبل مصر
ورغم هذا التطور السريع الكبير يحيط الغموض بوضع الجهاز القانوني، حيث لم ينشر قرار إنشائه رقم 591 لسنة 2022 في الجريدة الرسمية حتى الآن، مما يثير تساؤلات حول شرعية قراراته وأدواره التي تتقاطع مع أدوار كيانات حكومية أخرى.
وقال عادل عبد العظيم رئيس المركز: إن "نقل تبعية عدد من الأراضي من مركز البحوث الزراعية إلى «مستقبل مصر» هو تنفيذ لقرارات قديمة، صدرت غالبيتها في الفترة بين 2020 و2022، قبل توليه رئاسة المركز، مشددًا، في حديثه على أن ما يحدث حاليًا هو مجرد استيفاء أوراق أو استكمال إجراءات إدارية".
وذكر رئيس مركز البحوث الزراعية أن بعض الأراضي المخصصة "لجهاز مستقبل مصر" تقع بالفعل في مناطق سكنية، مستشهدًا بقطعة أرض قريبة من "نادي الصيد", أما بشأن الأراضي داخل مقر المركز في الجيزة، فأكد أنه لا يملك معلومات حول إقامة مشروعات سكنية عليها، مشيرًا إلى أن الصوب الزراعية الخاصة بالأبحاث لا تزال قائمة ولم تمس.
وفسر ثلاثة من كبار الباحثين بالمركز الاختلاف بين تاريخ قرارات مجلس الوزراء وتوقيت التنفيذ الفعلي، بأن خطة تجريد مركز البحوث الزراعية من أراضيه الخصبة وتجريفها والبناء عليها، وُضعت منذ فترة، فيما يمثل قرار مجلس الوزراء "المسمار الأخير في نعش" مقر المركز، عبر التمهيد لإقامة مشروعات سكنية على أراضيه، على غرار ما حدث خلال السنوات الماضية مع أراضيه ومحطاته البحثية في عدد من المحافظات.
وقال أحد الباحثين: إن "انتزاع أراضي المركز، يأتي بدعوى أن الأرض في مواقع عالية القيمة من الناحية العقارية ولا تدر دخلًا، مضيفا لقد رأينا ذلك من قبل في الأراضي التي اقتُطعت من مقرات وزارة الزراعة والهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية لإنشاء منطقة كافيهات في الدقي بالقرب من المتحف، الآن جاء الدور على الأرض السوداء التي نستخدمها في التجارب لإنتاج التقاوي، لإقامة مشروعات سكنية".
يعود الأمر إلى أغسطس 2021، عندما وجه السيسي بإعادة صياغة أصول وأراضي مركز البحوث الزراعية في محافظات الدلتا، خدميًا وتنمويًا على أقصى قدر ممكن، مع التركيز على الاستخدامات المتعددة، بالتعاون والتنسيق بين أجهزة الحكم المحلي، والمحافظات، ووزارة الإسكان، وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وفي اليوم نفسه أصدرت وزارة الزراعة تقريرا بحصر الأصول التابعة للهيئات والقطاعات والمركز البحثية شملت 1500 أصل بإجمالي 290 ألف فدان مؤجرة او غير مستغلة او معتدي عليها.
ومن جانبه أعلن رئيس ما يسمي بالمركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة، اللواء ناصر فوزي، آلية تنفيذ التوجيه الرئاسي، قائلًا في بيان آنذاك، أن منهجية حصر ومعاينة أراضي مراكز البحوث الزراعية اعتمدت على تجميع كل المواقع الصالحة، ودراستها، والقيام بزيارات للمواقع المرشحة.
وأوضح فوزي أنه بعد إجراء عمليات المراجعة والتدقيق والتصنيف للأراضي، عرض المركز قائمة من الأراضي ذات الأولوية على السيسي، وتضم أراضي تابعة لمركز البحوث الزراعية وقطاع الإنتاج الزراعي، أما الأراضي التي حًصرت كأسبقية ثانية فتضم أراضي في 15 محافظة لها ظهير صحراوي.
وجاء التوجيه الرئاسي وتنفيذه عقب التطبيق الفعلي لاستغلال أراضي مراكز البحوث الزراعية في أنشطة غير زراعية، في بداية عام 2021، تلقى مسؤولو مركز البحوث الزراعية في محافظات مختلفة خطابات بتخصيص أراضي الأبحاث لمشروعات سكنية.
تلقى ما يسمي بمجلس النواب عدة طلبات عاجلة لمساءلة الحكومة بشأن خطة لتبوير مئات الأفدنة التابعة لمركز البحوث الزراعية ومحطاته البحثية، وهي من أجود الأراضي الزراعية وأخصبها في مصر، وتخصيصها لمشروعات إسكان اجتماعي.
وركز النواب على محطة بهتيم للبحوث الزراعية بمحافظة القليوبية، والتي تعتبر أقدم محطة بحوث زراعية في العالم، وتبلغ مساحتها 380 فدانًا، ومحطة كفر الحمام للبحوث الزراعية بمحافظة الشرقية ومساحتها 83 فدانًا، إضافة إلى محطات بحوث الوادي الجديد والإسماعيلية، والحمراوي بكفر الشيخ وغيرها.
تحويل مزارعة جامعة المنوفية الي كتلة سكنية
تكرر الأمر مع أراض أخرى تستخدم لأغراض بحثية، ففي 15 فبراير 2021، عقد مجلس كلية الزراعة بجامعة المنوفية اجتماعًا طارئًا بعد تلقيهم خطابًا من محافظ المنوفية يخطرهم بتخصيص مزرعة الكلية الموجودة في قرية الراهب لإنشاء مشروع إسكان اجتماعي عليها، فيما سيتضح لاحقًا انه مشروع يوفر وحدات سكن استثماري ضمن ما عرف بالمبادرة الرئاسية لتطوير عواصم المحافظات والمدن الكبرى رفض مجلس الكلية، المكون من 45 أستاذًا جامعيًا، آنذاك، قرار المحافظ، وهددوا بالاستقالة وأرسلوا استغاثتا ومناشدات للمسؤولين لوقف تجريف الأراضي الزراعية التي تستخدمها الكلية لأغراض تعليمية وبحثية.
ونشر رئيس الفريق العلمي للنهوض بمحصول القمح بمحافظة الشرقية في فبراير 2021 عبر حسابه الشخصي في فيسبوك، فإن جرافات الهيئة الهندسية لم تنتظر حصاد محصول القمح المزروع في محطة بحوث كفر الحمام بالشرقية الذي كان يحتاج شهرين في الأرض لحصاده، وأزالت الشتلات، مهدرة محصول قمح لأكثر من 55 فدانًا منهم حوالي 20 فدانًا لإنتاج تقاوي أساس قمح التي تكفي لزراعة أكثر من 20 ألف فدان.
وأوضح مدير أحد معاهد المركز "طالبا عدم ذكر اسمه"، أن عمليات الاستحواذ خلال السنوات الماضية تركزت على أراضي المحطات البحثية في المحافظات، وهي أراض خصبة بالأساس، مخصصة للتجارب لإنتاج التقاوي والبذور، وتتبعها بعض مباني إدارية وخلال السنوات الأخيرة، اقتطعت أربع مزارع من محطات البحوث الزراعية