ارتداد الجنيه… توقعات “متفائلة” تصطدم بواقع اقتصادي يزداد هشاشة

- ‎فيتقارير

يعيش سوق الصرف في مصر حالة من الترقب الحاد، بعدما بدأت أصوات محلية تتحدث عن احتمال ارتداد مفاجئ للجنيه أمام الدولار، رغم أن المؤشرات الاقتصادية لا تمنح هذا السيناريو سوى هامش ضيق للغاية، وبينما يرى محللون أن الجنيه قد يستعيد جزءًا من قيمته إذا هدأت التوترات الإقليمية وتحسنت الظروف السياسية والاقتصادية، يؤكد آخرون أن أي ارتداد سيكون مؤقتًا وهشًا، لأن جذور الأزمة أعمق من أن تُحل بتغيرات ظرفية في المشهد الجيوسياسي.

وتنقل منصات متخصصة اقتصاديا بيانات تظهر قفزة بنسبة 66% في تعاملات الإنتربنك بين البنوك المصرية، التي ارتفعت إلى 2.9 مليار دولار خلال أسبوع، مقارنة بـ1.75 مليار في الأسبوع السابق، هذه القفزة تعكس حالة من الارتباك في سوق العملة، ومحاولات البنوك إعادة التوازن عبر تداولات مكثفة.

في هذا السياق، يوضح محلل أسواق المال أحمد قطب @Ahmedkobt أن السؤال حول إمكانية تراجع الدولار إلى ما دون 50 جنيهًا بعد انتهاء الحرب لا يمكن الإجابة عنه بسهولة، لكنه يلمّح إلى أن الجنيه قد يتحسن خلال ستة أشهر إذا توافرت ظروف اقتصادية وسياسية مستقرة، هذا الطرح يعكس جانبًا من التفاؤل الحذر، لكنه يظل مشروطًا بعوامل خارجية لا تملك مصر السيطرة عليها، مثل مسار الحرب في إيران وتوقعات الأسواق الدولية.

 

على الجانب الآخر، تكشف شهادات محلية عن واقع أكثر قتامة، إذ يشير متابعون إلى أن البنوك باتت تفرض قيودًا غير مسبوقة على السحب بالدولار، في الوقت الذي يضخ فيه البنك المركزي مليارات الجنيهات مقابل تسويات بالدولار بعد خصم نصف الفوائد. وهو مشهد يعكس أزمة سيولة حقيقية، ويطرح تساؤلات حول قدرة النظام المصرفي على تلبية احتياجات السوق إذا استمرت الضغوط.

كما ظهرت دعوات لوقف التصدير لحماية السوق المحلي حيث دعا الاقتصادي حسن هيكل وهو أيضا رجل أعمال إلى وقف تصدير السلع الحيوية فورًا، وتوجيهها للاستهلاك المحلي، إلا إذا كان هناك فائض كبير، ويشمل ذلك الخضروات والفواكه والأرز والسكر والزيوت واللبن.

ويؤكد @heikalh  أن بعض الدول مستعدة لشراء هذه السلع بأي سعر، ما قد يدفع المنتجين للتصدير على حساب السوق المحلي، وهو ما يفاقم أزمة الأسعار. ويرى أن وقف التصدير لأسابيع ليس رفاهية، بل ضرورة في ظل نقص الدولار.

ويتساءل كريم حامد: كيف يمكن لحرب بدأت منذ أيام أن تكشف بهذه السرعة هشاشة الاقتصاد المصري؟ ويؤكد @Keko_1514  أن الاقتصادات القوية تمتص الصدمات، بينما الاقتصاد الضعيف يهتز مع أول أزمة، ما يثير شكوكًا حول الخطاب الرسمي الذي تحدث لسنوات عن “انطلاقة اقتصادية” كانت على وشك الحدوث لولا الظروف الخارجية.

 

وتتعمق الأزمة مع ارتفاع الأسعار رغم استقرار الدولار، كما يشير عاصم @asemsalem01، الذي يؤكد أن السلع واصلت الارتفاع حتى بعد توقف صعود الدولار، وأن التجار بدأوا رفع الأسعار مجددًا مع أول إشارة للتوتر، رغم أن المخازن ممتلئة، هذا السلوك يكشف عن غياب رقابة فعالة، ويزيد من الضغط على المواطنين الذين يواجهون موجة غلاء غير مسبوقة.

ويربط الباحث الأكاديمي د.علاء بيومي بين تراجع الجنيه ومسار الحرب في إيران، موضحًا أن خروج الأموال الساخنة من مصر تجاوز 6 مليارات دولار خلال أسابيع قليلة، وأن موجات البيع تتجدد مع كل صدمة سياسية أو عسكرية، ويشير إلى أن الأسواق الدولية لم تعد تتوقع نهاية قريبة للحرب، ما يعني استمرار الضغط على الجنيه، وربما تراجعات إضافية خلال الأسابيع المقبلة.

ويرى أن أزمة الدولار في مصر لم تعد مرتبطة فقط بعوامل داخلية، بل باتت تتأثر مباشرة بالتطورات الجيوسياسية، خصوصًا الحرب في إيران.

ويوضح  @Alaabayoumi أن سعر الجنيه المصري أصبح يتحرك وفق مسار الحرب، حيث خرجت ما بين 4 و6 مليارات دولار من الأموال الساخنة مع الصدمة الأولى، ثم ارتفع الرقم إلى 6–8 مليارات مع استمرار التوتر.

ويشير إلى أن الأسواق الدولية بدأت موجة بيع جديدة بعد نهاية الشهر الأول من الحرب، مع شعور المستثمرين بأن تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب حول نهاية قريبة للحرب كانت مضللة.

ويضيف أن الخطاب الأخير الذي تحدث فيه ترامب عن “إعادة إيران للعصور الحجرية” زاد من اضطراب الأسواق، ما يعني استمرار الضغط على الجنيه خلال الأسابيع المقبلة. ويخلص إلى أن الحرب غير مرشحة لنهاية جيدة، وأن المعاناة الاقتصادية قد تمتد لشهور.

أما الباحث محمد حبيب فيرى أن الاعتماد على الأموال الساخنة جعل الاقتصاد المصري أكثر عرضة للصدمات، وأن خروج المستثمرين الأجانب من أذون الخزانة أدى إلى فقدان الجنيه 4.6% من قيمته خلال أسبوع واحد، ليصل إلى أدنى مستوى له منذ ثمانية أشهر.

ويؤكد @BeboFinance2021  أن أي ارتداد للجنيه لن يكون مستدامًا ما لم تتغير بنية الاقتصاد نفسها، وليس فقط الظروف المحيطة به.

 

في ظل هذه الصورة المتشابكة، تبدو توقعات الارتداد غير المتوقع للجنيه أقرب إلى محاولة لالتقاط الأنفاس في سوق مضطربة، أكثر منها قراءة واقعية لمسار العملة. وبين التفاؤل المشروط والتشاؤم المبني على مؤشرات صلبة، يبقى الجنيه عالقًا بين ضغوط دولية متصاعدة، واقتصاد داخلي يزداد هشاشة مع كل أزمة جديدة.