مليارات لمؤسسات السلطة.. ومخصصات التعليم والصحة تثير التساؤلات حول مخالفة الاستحقاقات الدستورية

- ‎فيتقارير

كشفت تفاصيل الموازنة العامة المصرية للعام المالي 2026/2027 عن تفاوتات كبيرة في توزيع الإنفاق الحكومي بين المؤسسات والهيئات الرسمية والقطاعات الخدمية، في وقت تواجه فيه ملايين الأسر المصرية ضغوطًا معيشية متزايدة نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار الأزمات التي تعاني منها المستشفيات والمدارس والخدمات العامة.

وتظهر الأرقام تخصيص مليارات الجنيهات لمؤسسات تشريعية ورقابية وإعلامية وثقافية، يثير أداؤها انتقادات تتعلق بمدى فاعليتها وتأثيرها المباشر في حياة المواطنين، بينما تكشف المخصصات المباشرة لوزارات التعليم والصحة والبحث العلمي عن فجوة كبيرة مقارنة بنسب الإنفاق التي نص عليها دستور 2014، وفق المقارنة الواردة في بيانات الموازنة.

وتعيد هذه الأرقام طرح سؤال يتعلق بأولويات السلطة في إدارة المال العام: هل تتجه الموارد المتاحة إلى تحسين الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن، أم إلى تمويل جهاز إداري ومؤسسي ضخم لا تنعكس مخصصاته بالضرورة على جودة الخدمات المقدمة؟

وتزداد أهمية هذه التساؤلات في ظل استمرار الضغوط على الموازنة العامة بسبب أعباء الدين العام، وما تفرضه من قيود على قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق الاجتماعي والاستثماري.

 

3.8 مليار جنيه للبرلمان..رغم غياب الرقابة والمحاسبة؟

خصصت الموازنة العامة للعام المالي الحالي نحو 2.680 مليار جنيه لمجلس النواب، إلى جانب 1.104 مليار جنيه لمجلس الشيوخ، بإجمالي يبلغ 3.784 مليار جنيه للغرفتين البرلمانيتين.

وتثير هذه المخصصات انتقادات بشأن مدى تناسب تكلفة المؤسسة التشريعية مع أدائها الفعلي، خصوصًا في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المصريين.

فبينما يُفترض أن يمارس مجلس النواب دوره في التشريع والرقابة على الحكومة ومساءلتها عن السياسات العامة، يرى منتقدون أن المجلس لم يمارس رقابة بالفاعلية المطلوبة على القرارات الاقتصادية التي انعكست بصورة مباشرة على معيشة المواطنين، ومنها زيادة أسعار الخدمات والوقود والضرائب والرسوم.

كما يواجه مجلس الشيوخ تساؤلات بشأن الجدوى من تخصيص أكثر من مليار جنيه سنويًا لمؤسسة ذات اختصاصات استشارية، في وقت تعاني فيه قطاعات خدمية من نقص الموارد والإمكانات.

ولا تعني هذه المقارنة أن وجود المؤسسات النيابية يمثل عبئًا في حد ذاته، وإنما تطرح قضية تتعلق بمدى فاعلية أدائها، وشفافية إنفاقها، وقدرتها على ممارسة الرقابة والمساءلة.

وتزداد أهمية هذا النقاش عندما تكون المخصصات الموجهة للبرلمان أكبر من الميزانيات المرصودة لعدد من المؤسسات البحثية والخدمية التي ترتبط بصورة مباشرة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

 

6.7 مليار جنيه للسجون مقابل مليار للبحث العلمي

من أبرز المفارقات التي تكشفها الموازنة تخصيص 6.678 مليار جنيه لقطاع الحماية المجتمعية، وهو المسمى الحالي لمصلحة السجون، مقابل 1.014 مليار جنيه لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا. وبذلك تبلغ مخصصات السجون نحو 6.6 أضعاف المخصصات المرصودة للأكاديمية.

كما حصل المركز القومي للبحوث على 1.786 مليار جنيه، وهي مخصصات تقل بصورة ملحوظة عن الإنفاق الموجه لقطاع السجون.

وتثير هذه المقارنة تساؤلات حول موقع البحث العلمي في أولويات الإنفاق العام، خصوصًا في ظل حاجة الاقتصاد المصري إلى تطوير الإنتاج الصناعي والزراعي والتكنولوجي، وزيادة قدرته على الابتكار وتقليل الاعتماد على الواردات.

وفي المقابل، يرتبط الإنفاق على السجون بتكاليف تشغيل المنشآت وأجور العاملين والخدمات المقدمة للنزلاء، ولذلك لا تكفي المقارنة الرقمية وحدها للحكم على كفاءة الإنفاق في أي من القطاعين.

لكن الفارق الكبير يعيد طرح النقاش بشأن ضعف الموارد الموجهة للبحث العلمي مقارنة باحتياجات التنمية، خاصة مع استمرار الفجوة بين المخصصات الفعلية والنسب الدستورية المستهدفة.

 

مليارات للأجهزة الرقابية.. والفساد يظل محل شكاوى

خصصت الموازنة نحو 5.361 مليار جنيه للجهاز المركزي للمحاسبات، و2.506 مليار جنيه لهيئة الرقابة الإدارية، بإجمالي يقارب 7.9 مليار جنيه للجهتين.

وتضطلع المؤسستان بأدوار مهمة في الرقابة على المال العام ومكافحة الفساد الإداري والمالي، لكن حجم المخصصات يثير تساؤلات بشأن مؤشرات الأداء والنتائج التي تحققها الأجهزة الرقابية في مواجهة المخالفات.

ويرى منتقدون أن استمرار الشكاوى المتعلقة بالفساد وسوء الإدارة يفرض ضرورة إتاحة قدر أكبر من المعلومات بشأن نتائج أعمال الرقابة، وحجم المخالفات المكتشفة، والإجراءات المتخذة لمعالجتها.

كما يبرز التساؤل بشأن مدى استفادة المواطنين من الإنفاق على المؤسسات الرقابية، ومدى انعكاسه على تحسين جودة الخدمات الحكومية والحد من إهدار الموارد.

ولا يمكن اعتبار استمرار وجود مخالفات دليلًا في حد ذاته على غياب الدور الرقابي، لكنه يجعل نشر تقارير الأداء ومؤشرات الفاعلية أمرًا ضروريًا لتقييم العائد من هذه المخصصات.

 

حقوق الإنسان.. 114 مليون جنيه لمجلس يواجه الانتقادات

حصل المجلس القومي لحقوق الإنسان على 114 مليون جنيه، في وقت تتواصل فيه انتقادات منظمات حقوقية بشأن أوضاع الحريات العامة، وطول فترات الحبس الاحتياطي، وملفات الاختفاء القسري واحتجاز معارضين سياسيين.

وتثير هذه المخصصات تساؤلات بشأن قدرة المجلس على أداء دوره في متابعة الانتهاكات وتلقي الشكاوى والتدخل لمعالجتها، ومدى استقلالية مواقفه وفاعلية توصياته.

ويرى منتقدون أن الدور المطلوب من المجلس لا يقتصر على إصدار التقارير والبيانات، وإنما يمتد إلى متابعة أوضاع المحتجزين، والتعامل مع شكاوى أسرهم، والمطالبة بضمانات قانونية تحول دون استمرار الانتهاكات.

ويظل المعيار الأساسي للحكم على أداء المجلس هو مدى تأثير تدخله في حماية الحقوق والحريات، وليس حجم المخصصات المالية التي يحصل عليها وحده.

 

الصحة والتعليم في الصدارة رقميًا.. لكن أين الخدمات؟

تشير بيانات التوزيع الوظيفي للموازنة إلى تصدر وزارة الصحة والجهات التابعة لها قائمة المخصصات بنحو 317 مليار جنيه، تليها وزارة التربية والتعليم بنحو 267 مليار جنيه.

وجاءت وزارة الإسكان والمرافق بمخصصات بلغت 178 مليار جنيه، ثم وزارة الدفاع بنحو 147 مليار جنيه، ووزارة الداخلية بنحو 121.5 مليار جنيه، تلتها وزارة التعليم العالي بنحو 104.5 مليار جنيه.

وقد توحي هذه الأرقام بأن الحكومة تمنح التعليم والصحة أولوية كبيرة في توزيع الإنفاق العام، لكن تحليل بنود المصروفات يكشف أن جانبًا كبيرًا من تلك المخصصات يذهب إلى أجور العاملين، بحكم ضخامة الجهاز الوظيفي في القطاعين.

ففي وزارة الصحة، تستحوذ الأجور على نحو 41% من إجمالي المخصصات، مقابل 27% للاستثمارات المرتبطة بإنشاء المنشآت الصحية وشراء الأجهزة الطبية. أما المستلزمات الطبية والأدوية وصيانة الأجهزة والمباني ونفقات التشغيل اليومية، فتستحوذ على نحو 22% من المصروفات.

وتكشف هذه النسب أن الجزء المخصص للتشغيل المباشر وتوفير مستلزمات الخدمة الصحية يقل عن ربع موازنة الوزارة، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مدى كفاية الموارد المتاحة للمستشفيات والوحدات الصحية.

ولا يعني ارتفاع بند الأجور أنه إنفاق غير منتج، إذ يمثل الأطباء وأطقم التمريض والعاملون عنصرًا أساسيًا في تقديم الخدمة، لكن المشكلة ترتبط بمدى التوازن بين الإنفاق على العاملين وتوفير الأدوية والمستلزمات والتجهيزات الضرورية.

 

74% من موازنة التعليم للأجور

تبدو الصورة أكثر وضوحًا في وزارة التربية والتعليم، حيث تستحوذ أجور العاملين على نحو 74% من إجمالي مخصصاتها البالغة 267 مليار جنيه.

وفي المقابل، يخصص نحو 13% للاستثمارات وإنشاء الفصول الجديدة، بينما لا تتجاوز حصة مستلزمات التشغيل اليومي والتغذية المدرسية والكتب والمرافق نحو 9%.

وتأتي هذه التوزيعات في ظل اتساع حجم المنظومة التعليمية الحكومية، التي تضم نحو 1.377 مليون عامل، بينهم قرابة 1.05 مليون معلم، و326 ألفًا من المديرين والإداريين والعمال.

وبلغ عدد طلاب المدارس الحكومية خلال العام الدراسي 2025/2026 نحو 23.245 مليون طالب، إلى جانب 2.527 مليون طالب بالمدارس الخاصة الخاضعة لإشراف الوزارة.

وتعكس هذه الأعداد الضغوط الكبيرة التي تواجه المنظومة التعليمية، سواء في توفير الفصول الدراسية أو المعلمين أو مستلزمات العملية التعليمية.

ويطرح انخفاض نصيب الاستثمارات والتشغيل مقارنة بالأجور تساؤلات بشأن قدرة الموازنة على مواجهة كثافة الفصول، وتحسين البيئة المدرسية، وتطوير المناهج، وتوفير خدمات تعليمية تتناسب مع أعداد الطلاب.

 

الدستور يحدد 10%.. والمخصصات المباشرة لا تتجاوز 2.4%

تظهر إحدى أبرز نقاط الجدل في الموازنة عند مقارنة المخصصات المباشرة للتعليم والصحة والبحث العلمي بالنسب المنصوص عليها في دستور 2014.

فقد نص الدستور على تخصيص نسب لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي للصحة، و4% للتعليم قبل الجامعي، و2% للتعليم الجامعي، و1% للبحث العلمي.

وبحسب المقارنة الواردة في بيانات الموازنة، بلغت نسبة الإنفاق المباشر على التعليم قبل الجامعي نحو 1.09%، مقابل النسبة الدستورية البالغة 4%.

أما التعليم الجامعي، فقد بلغت نسبته نحو 0.4%، مقابل 2% نص عليها الدستور، بينما لم تتجاوز النسبة المحسوبة للبحث العلمي 0.03%، مقابل 1% مستهدفة دستوريًا.

وتشير الأرقام الواردة إلى أن إجمالي المخصصات المباشرة المحسوبة للصحة والتعليم بمراحله والبحث العلمي يعادل نحو 2.4%، مقابل مجموع نسب دستورية يبلغ 10%.

لكن هذه المقارنة تحتاج إلى تدقيق محاسبي وقانوني، لأن الدستور يستخدم الناتج القومي الإجمالي أساسًا للحساب، بينما تعتمد بعض المقارنات المنشورة على الناتج المحلي الإجمالي، كما أن الحكومة تحتسب بنود إنفاق إضافية عند إعلان نسب الإنفاق على القطاعات الدستورية.

ومع ذلك، فإن انخفاض المخصصات المباشرة للوزارات والجهات التعليمية والصحية يظل مؤشرًا يستدعي فحص مدى وصول الموارد الفعلية إلى المدارس والمستشفيات ومؤسسات البحث العلمي.

ويطرح استمرار الجدل حول احتساب الاستحقاقات الدستورية سؤالًا أساسيًا: هل تعكس الأرقام الحكومية حجم الإنفاق الذي يصل بالفعل إلى المواطنين، أم تتضمن بنودًا محاسبية لا تؤدي بالضرورة إلى تحسين الخدمة؟

 

1.6 مليار جنيه لمكتبة الإسكندرية و839 مليونًا للأوبرا

تكشف الموازنة كذلك عن تخصيص 1.648 مليار جنيه لمكتبة الإسكندرية، ونحو 839 مليون جنيه لدار الأوبرا المصرية، المدرجة في التصنيف الوظيفي تحت مسمى المركز الثقافي القومي.

وتثير هذه الأرقام تساؤلات بشأن معايير توزيع الموارد على المؤسسات الثقافية، ومدى ارتباط المخصصات بحجم الخدمات والأنشطة المقدمة للجمهور.

فبينما تؤدي مكتبة الإسكندرية دورًا ثقافيًا وبحثيًا ومعرفيًا، وتقدم دار الأوبرا أنشطة فنية وثقافية، فإن تقييم كفاءة الإنفاق عليهما يتطلب الإفصاح عن تكلفة التشغيل، وأعداد المستفيدين، والإيرادات الذاتية، وحجم الأنشطة المتاحة للمواطنين.

ويرى منتقدون أن المؤسسات الثقافية الكبرى ينبغي أن توسع نطاق خدماتها خارج الدوائر التقليدية، بما يضمن استفادة شرائح أوسع من المواطنين من الموارد العامة المخصصة لها.

وتزداد أهمية هذه المطالب في ظل محدودية مخصصات بعض المؤسسات المعنية بتطوير التعليم والبحث العلمي. فقد حصلت أكاديمية الفنون على 659 مليون جنيه، مقابل 235 مليون جنيه لصندوق تطوير التعليم. ولا تعني هذه المقارنة التقليل من أهمية الثقافة والفنون، لكنها تطرح ضرورة وجود معايير معلنة لتحديد أولويات الإنفاق، وقياس الأثر المجتمعي لكل مؤسسة.

 

المجلس القومي للمرأة يحصل على 632 مليونًا.. و51 مليونًا لذوي الإعاقة

من بين التفاوتات اللافتة في الموازنة تخصيص 632.5 مليون جنيه للمجلس القومي للمرأة، مقابل 51 مليون جنيه للمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة. وبذلك تزيد مخصصات المجلس القومي للمرأة على مخصصات مجلس ذوي الإعاقة بأكثر من 12 ضعفًا.

وتثير هذه الفجوة تساؤلات بشأن معايير تحديد المخصصات المالية للمجالس القومية، ومدى تناسبها مع حجم الفئات المستهدفة وطبيعة البرامج والخدمات التي تقدمها.

ويأتي ذلك في ظل احتياجات كبيرة للأشخاص ذوي الإعاقة، الذين تشير التقديرات الواردة إلى أن عددهم يبلغ نحو 12 مليون شخص، بما يتطلب جهودًا في مجالات التأهيل والتعليم والدمج والحماية الاجتماعية.

وفي المقابل، يواجه المجلس القومي للمرأة انتقادات تتعلق بمدى وصول برامجه إلى النساء الأكثر احتياجًا، خصوصًا في المناطق الريفية والفقيرة.

ولا تكفي المقارنة بين موازنتي المجلسين وحدها للحكم على حجم الإنفاق الحكومي الموجه للمرأة أو لذوي الإعاقة، لأن خدمات كل فئة قد تمول أيضًا من وزارات وهيئات أخرى. لكن التفاوت يبرز أهمية إعلان نتائج البرامج ومؤشرات الأداء، وربط المخصصات بحجم الاحتياجات والنتائج المحققة.

 

مليارات للإعلام الرسمي.. والخسائر مستمرة

خصصت الموازنة نحو 1.292 مليار جنيه للهيئة الوطنية للصحافة، و451.5 مليون جنيه للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، و374 مليون جنيه للهيئة العامة للاستعلامات.

ويصل إجمالي مخصصات الجهات الثلاث إلى نحو 2.125 مليار جنيه، بخلاف الدعم الموجه إلى الهيئة الوطنية للإعلام، التي تتبع نظام الهيئات الاقتصادية.

وتشير البيانات إلى تخصيص نحو مليار جنيه لمساندة الهيئة الوطنية للإعلام ضمن بنود الإنفاق الحكومي، رغم تسجيلها خسائر بلغت 14.7 مليار جنيه في الحساب الختامي للعام المالي 2024/2025، وفق الأرقام الواردة.

وتطرح هذه الخسائر تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الإعلامية الحكومية على تحقيق الاستدامة المالية، ومدى كفاءة إدارتها للموارد والأصول المملوكة لها.

وتكشف الحسابات الختامية لسنوات سابقة عن زيادات كبيرة في الإنفاق الفعلي لبعض المؤسسات الإعلامية مقارنة بالمخصصات الأصلية.

فقد ارتفعت المبالغ الموجهة للهيئة الوطنية للإعلام خلال العام المالي 2024/2025 من 977 مليون جنيه عند إعداد الموازنة إلى 1.655 مليار جنيه. كما ارتفعت مخصصات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام من 315 مليون جنيه إلى 1.556 مليار جنيه خلال العام نفسه.

وتثير هذه الزيادات تساؤلات بشأن أسباب تجاوز الاعتمادات الأصلية، ومدى خضوع الإنفاق الإضافي لتقييم الأداء والرقابة البرلمانية.

وفي ظل الأزمات التي تواجه الصحافة والإعلام، يبرز سؤال حول ما إذا كانت هذه المليارات تسهم في تطوير المؤسسات الإعلامية وتحسين جودة المحتوى واستقلاليته، أم تذهب بصورة أساسية إلى تغطية الأعباء التشغيلية والخسائر المتراكمة.

 

3.6 مليار جنيه للإحصاء.. ومشكلة نقص البيانات

خصصت الموازنة نحو 3.630 مليار جنيه للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، و539 مليون جنيه لمركز معلومات مجلس الوزراء، و36 مليون جنيه للمركز الديموغرافي.

ويرتبط ارتفاع مخصصات جهاز الإحصاء بالاستعداد لإجراء التعداد العام للسكان والمنشآت، الذي ينظم عادة كل عشر سنوات، بعد تأجيله عامًا.

ورغم أهمية التعداد في توفير بيانات تساعد على التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، فإن استمرار شكاوى نقص المعلومات المتاحة يثير تساؤلات بشأن سياسات نشر البيانات وإتاحتها للباحثين والمواطنين.

كما يعيد التعداد المرتقب النقاش بشأن مدى استفادة السياسات الحكومية من نتائج تعداد 2017، الذي كشف عن أوضاع معيشية صعبة لشرائح من السكان، بينها أسر تفتقر إلى مرافق أساسية داخل مساكنها.

فالقيمة الحقيقية للتعداد لا تتوقف عند جمع البيانات وإعلان النتائج، وإنما ترتبط باستخدامها في توجيه الاستثمارات العامة وتحسين الخدمات بالمناطق الأكثر احتياجًا.

 

5.8 مليار جنيه لمباني الخارجية.. و268 مليونًا لحماية المستهلك

تظهر تفاوتات أخرى في المخصصات الموجهة إلى الهيئات والصناديق الحكومية. فقد حصل صندوق تمويل مباني وزارة الخارجية في الخارج على نحو 5.837 مليار جنيه، مقابل 268 مليون جنيه لجهاز حماية المستهلك.

كما بلغت مخصصات الهيئة العامة لتعليم الكبار ومحو الأمية 944 مليون جنيه، وهيئة الدواء المصرية 1.485 مليار جنيه، ومستشفى معهد ناصر نحو 1.178 مليار جنيه.

وتثير هذه المقارنات تساؤلات بشأن ترتيب الأولويات، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار وتزايد احتياجات المواطنين إلى خدمات حماية المستهلك والدواء والرعاية الصحية.

لكن تقييم هذه الفروق يتطلب أيضًا مراعاة اختلاف طبيعة الإنفاق بين الجهات، إذ قد تتضمن مخصصات بعض الصناديق مشروعات رأسمالية أو التزامات تمتد لسنوات، بينما تعتمد جهات خدمية أخرى على اعتمادات تشغيلية سنوية. ومع ذلك، فإن الإفصاح عن تفاصيل الإنفاق والعائد المتوقع منه يظل ضروريًا لضمان كفاءة استخدام المال العام.

 

فوائد الديون.. العبء الأكبر على الموازنة

لا تقتصر مشكلة أولويات الإنفاق على توزيع المخصصات بين الوزارات والهيئات، وإنما ترتبط كذلك بالأعباء المالية الضخمة التي تتحملها الدولة نتيجة خدمة الدين العام. فقد بلغت المخصصات المباشرة لوزارة المالية والجهات الضريبية التابعة لها نحو 49.5 مليار جنيه.

لكن الوزارة تتولى أيضًا إدارة بنود مالية كبيرة تشمل فوائد القروض والدعم والاحتياطيات المالية، وهي بنود تمثل جانبًا رئيسيًا من إجمالي مصروفات الموازنة.

وبحسب التقديرات الواردة، فإن جمع هذه البنود مع المخصصات المرتبطة بوزارة المالية قد يصل إلى نحو 65% من إجمالي الإنفاق العام.

غير أن هذه النسبة لا تعني أن الوزارة تنفق هذه الأموال على أنشطتها الإدارية، إذ تشمل التزامات عامة للدولة ومدفوعات ومخصصات تستفيد منها جهات وقطاعات متعددة.

وتعكس ضخامة هذه البنود حجم الضغوط التي تفرضها خدمة الدين على السياسة المالية، وما تتركه من مساحة محدودة لزيادة الإنفاق المباشر على الخدمات العامة.

وتبرز هنا واحدة من أهم معضلات الموازنة المصرية: فكلما ارتفعت أعباء الفوائد والالتزامات المالية، تراجعت قدرة الحكومة على توجيه موارد إضافية لتحسين التعليم والصحة والبنية الأساسية والخدمات الاجتماعية.

 

وزارات خدمية بمخصصات محدودة

تظهر بيانات الموازنة تخصيص 40.8 مليار جنيه لوزارة النقل والجهات التابعة لها، و40.3 مليار جنيه لوزارة الموارد المائية والري، و26.8 مليار جنيه للأوقاف، و26 مليار جنيه للخارجية.

كما حصلت وزارة الزراعة والجهات التابعة لها على 23.7 مليار جنيه، والاتصالات على 23.3 مليار جنيه، والكهرباء على 21.6 مليار جنيه.

وبلغت مخصصات التخطيط 15.4 مليار جنيه، والاستثمار والتجارة الخارجية 15.4 مليار جنيه، والسياحة والآثار 15 مليار جنيه.

وفي المقابل، حصلت وزارة الطيران المدني على 8.5 مليار جنيه، والشباب والرياضة على 8 مليارات، والثقافة على 7.9 مليار، والتموين دون احتساب الدعم على 2.6 مليار، والعمل على 1.2 مليار جنيه.

كما بلغت مخصصات الإنتاج الحربي 232 مليون جنيه، والشئون النيابية 60 مليون جنيه، ووزارة الدولة للإعلام 7 ملايين جنيه.

وتشير البيانات إلى أن مخصصات بعض الوزارات جاءت أقل من مستويات الإنفاق الفعلي المسجلة في الحساب الختامي للعام المالي 2024/2025، ومنها النقل والخارجية والكهرباء والتنمية المحلية والشباب والتعليم العالي والصناعة.

لكن المقارنة بين المخصصات الأصلية والإنفاق الفعلي في سنوات مختلفة تستلزم مراعاة التضخم والتغيرات التنظيمية ونقل الاختصاصات، حتى يمكن تحديد ما إذا كانت هذه القطاعات تعرضت بالفعل لتخفيض في مواردها.

 

موازنة المؤسسات أم موازنة المواطنين؟

تكشف الأرقام عن إشكالية تتجاوز مجرد المفاضلة بين وزارة وأخرى، وتتعلق بطبيعة السياسة المالية ومدى قدرتها على الاستجابة للاحتياجات الأساسية للمجتمع.

ففي الوقت الذي تخصص فيه الدولة مليارات الجنيهات للمؤسسات التشريعية والرقابية والإعلامية والثقافية، تظل المدارس والمستشفيات ومؤسسات البحث العلمي بحاجة إلى موارد إضافية لتحسين الخدمات ومواجهة الضغوط المتزايدة.

ولا يعني ذلك أن الإنفاق على البرلمان أو الأجهزة الرقابية أو المؤسسات الثقافية والإعلامية غير ضروري، فهذه المؤسسات تؤدي وظائف عامة يُفترض أن تكون مهمة في أي دولة، لكن القضية الأساسية تتعلق بمدى تناسب المخصصات مع النتائج، ومدى وجود رقابة فعلية على كفاءة الإنفاق، وقدرة المواطنين على معرفة ما تحققه كل مؤسسة مقابل الأموال التي تحصل عليها.

كما أن الحكم على أولويات الموازنة لا ينبغي أن يعتمد فقط على حجم الاعتمادات المعلنة، بل يتطلب تحليلًا للإنفاق الفعلي، ومؤشرات جودة الخدمات، وتوزيع الموارد بين المحافظات والفئات الاجتماعية.

وفي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، تصبح هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا، لأن المواطن لا يقيس نجاح الموازنة بحجم الأرقام الواردة فيها، وإنما بمدى توافر العلاج والتعليم والخدمات وفرص العمل، وقدرته على تحمل نفقات الحياة اليومية.

وفي المحصلة، تكشف موازنة 2026/2027 عن تفاوتات تستدعي مساءلة جادة بشأن أولويات الإنفاق العام، خاصة مع استمرار الجدل حول الوفاء بالاستحقاقات الدستورية للتعليم والصحة والبحث العلمي.

فالمشكلة ليست في وجود مؤسسات تحصل على مخصصات كبيرة، وإنما في غياب الربط الواضح بين حجم الإنفاق والعائد الذي يصل إلى المواطنين، فضلًا عن استمرار الضغوط التي تفرضها أعباء الدين على الموارد العامة.

وبينما تتحدث الحكومة عن الإصلاح الاقتصادي وتحسين كفاءة إدارة المال العام، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرة هذه السياسات على تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الأسر المصرية.

ويبقى السؤال: لماذا تتوافر المليارات لتمويل مؤسسات وهيئات يثير أداؤها انتقادات متواصلة، بينما يظل الإنفاق المباشر على التعليم والصحة والبحث العلمي بعيدًا عن المستهدفات الدستورية وفق الأرقام المعروضة؟ ومن يحدد أولويات إنفاق أموال المصريين، ومن يحاسب على نتائجها؟